مقام الفناء /عمر علي

 مقامُ الفناء


تجلّى الهوى...


فانفرطَ اسمي

كما ينفرطُ عقدُ الضوء

في يدِ الفجر،

وتناثرتْ ملامحي

في مرايا

لم تَعُدْ تعرفُ وجهي.


من أيِّ غيبٍ

تسرّبتَ إلى دمي؟

ومن أيِّ صمتٍ

ناديتَني،

فاستجبتُ

قبل أن أولدَ في ندائكَ؟


كنتُ كلّما اقتربتُ منك،

ابتعدتُ عنِّي.

وكلّما عبرتُ

بابًا من أبوابِكَ،

أغلقتُ خلفي

مدينةً

من يقيني.


حتى غدوتُ

أمشي بلا ظلّ،

كأنَّ الظلالَ

تركتني

لضوئكَ.


في ضلوعي

نارٌ

لا تُشبهُ النار؛

لا تأكلُ الجسد،

بل تأكلُ الحدود.

كلُّ ما مسته

عادَ إلى أصلِه:

الرمادُ شجرة،

والجرحُ نافذة،

والغيابُ

اسمٌ آخرُ

للحضور.


أوقفتُ العقلَ

على عتبةِ السؤال،

فعادَ عاريًا من اليقين،

يحملُ دهشتَه.


هناك،

أدركتُ

أنَّ المعرفةَ

ليستْ كثرةَ الأجوبة،

بل صفاءَ السؤال،

وأنَّ الحقيقةَ

لا تُفتحُ

بالمفاتيح،

بل بانكسارِ الباب.


تساقطتِ الكلماتُ

من فمي،

ورقةً...

فورقة،

حتى لم يبقَ

غيرُ الصمت.


وكان الصمتُ

أوسعَ من اللغة،

وأقدرَ

على حملِكَ.


لا أراكَ

بعيني،

فالعيونُ

لا ترى

إلّا حدودَ الأشياء،

لكنَّني

أراكَ

بذلكَ الموضعِ

الذي انطفأ

في داخلي،

فصارَ الانطفاءُ

نورًا،

وصارَ الغيابُ

عينًا أخرى.


هنا...


يسقطُ الاسم.


ويذوبُ الوجه.


ويخلعُ الزمنُ

آخرَ ساعاتِه.


وتدخلُ الروحُ

عاريةً

إلى اتِّساعٍ

لا يحتاجُ

إلى الجهات.


ليس ثمّةَ

داخلٌ

ولا خارج.


ليس ثمّةَ

أنا

ولا أنت.


ثمّةَ عشقٌ

إذا اكتملَ

تلاشى العاشقُ،

وبقيتْ

نارُهُ

تضيءُ

ما لا يُقال.


وحين التفتُّ

لأبحثَ عن نفسي،

وجدتُها

تبتسمُ لي

من الضفّةِ الأخرى

للعدم،

ثم تذوبُ

كما يذوبُ

آخرُ نجمٍ

في ماءِ الفجر.


عندئذٍ...


لم أبلغْكَ.


بل خرجتُ

من آخرِ حدودي.


وتركتُ

اسمي

على عتبةِ العالم،

ودخلتُ

خفيفًا

كما يدخلُ المعنى

في القصيدة،

وكما يدخلُ الضوءُ

في الضوء.


فلم يبقَ منّي

سوى هذا العشق...


وأنت.


علي عمر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال