حين يشيخ الضوء في الجسد /علي عمر

 حينَ يَشيخُ الضوءُ في الجسد


لم تأتِ الشيخوخةُ يومًا

لم تطرقْ بابي

ولم تدخلْ مرتديةً وجهًا أعرفه


كانت أبطأ من ذلك...

تسرّبتْ إليَّ كما يتسرّبُ الشتاءُ

إلى جدارٍ لم ينتبهْ إلى برودته

حتى استيقظتُ ذاتَ صباح

فوجدتُ في المرآةِ رجلًا يعرفني

لكنّه لا يشبهني.


ظللتُ طويلًا أحدّقُ فيه

كأنني أفتّشُ في ملامحه

عن طفلٍ نسيَ أن يعود


كنتُ أضيءُ البيتَ ذاتَ زمن

لا بمصباح

بل بشيءٍ كان يسكنُ دمي

شيءٍ بلا اسم

كان يجعلُ للأشياءِ سببًا كي تبقى


ثم غادرني...


لا أعرفُ متى

لم يتركْ بابًا مفتوحًا

ولا رسالةً تحت الوسادة

فقط تركَ في عروقي

مكانًا باردًا

يشبهُ غيابَ من كان يعرفُ الطريقَ إلى قلبي.


الآن أمشي بعصاي

لا كمن يستندُ إلى الخشب

بل كمن يستندُ إلى آخرِ ما تبقّى

من جهةٍ لم يسقطْ منها الزمن


أمشي ببطء،

فتسبقني إلى الكرسيِّ

خطوةٌ قديمة

لا أستطيعُ استعادتها


حتى الجلوسُ صار يحتاجُ

إلى تفاوضٍ طويل

مع جسدٍ لم يعد يثقُ بي


صار البيتُ واسعًا

أكثرَ مما ينبغي.


الغرفُ تكاثرتْ فجأة

والأبوابُ أصبحتْ كثيرة

والصمتُ فيها

يعرفُ اسمي

أكثرَ مما يعرفُه البشر


أنادي...


فتعودُ إليَّ كلمتي

وحيدةً

مُنهكةً

أكثرَ شيخوخةً منّي


وحينها فهمتُ

أن الوحدةَ ليست ألّا تجدَ أحدًا

الوحدةُ أن يكونَ لكَ صوتٌ

ولا تجدَ في العالمِ

مكانًا يعودُ إليه.


تساقطَ شعري

وتهاوتْ أسناني

وخفتَتْ عيناي

وصار وجهي

أرضًا صغيرةً

تتقدّمُ فيها التجاعيد

كأنها خرائطُ لبلادٍ

لم أعد أذكرُ أسماءها


لكن الغريب

أنني لم أشعرْ يومًا

أن جسدي هو الذي يرحل.


كان الذي يرحلُ

أكبرَ من الجسد.


كان العالمُ نفسُه

ينسحبُ من حولي

بهدوءٍ لا يليقُ بالفقد


الأغاني لم تعد تُعيدُ أصحابَها

صارت تفتحُ الأبواب

ثم تتركنا واقفين

أمامَ غرفٍ فارغة


والصورُ...


آهٍ من الصور.


صارت أكثرَ حياةً من وجوهها

تبتسمُ لنا من خلف الزجاج

بينما الذين فيها

أصبحوا أبعدَ من الموت


أما الذاكرة

فلم تعد بيتًا أعودُ إليه

بل مقبرةً صغيرة

أفتحُها بيدي

وأعرفُ مسبقًا

أنني سأخرجُ منها

بميتٍ جديد.


وفي مساءٍ طويل

وقفتُ أمامَ الجدار


كان الضوءُ مستلقيًا عليه

شاحبًا،

يرتجفُ قليلًا

كأنّه يتذكّرُ شيئًا


حدّقتُ فيه...


فأبصرته يزحفُ ببطء

نحو العتمة.


لم يكنْ يهربُ منها


كان يعودُ إليها


عندها فهمتُ.


لسنا نشيخُ

حين يتعبُ الجسد

ولا حين تنحني الظهرُ

ولا حين تصبحُ المرآةُ

أكثرَ صدقًا من قلوبنا.


نحن نشيخُ

حين تفقدُ الأشياءُ قدرتَها

على إعادةِ ما أخذته منّا.


حين يصبحُ صوتُ من نحبُّ

مجردَ ارتعاشٍ في الذاكرة.


حين تمرُّ يدُك على مقبضِ بابٍ

كنتَ تعرفُ من وراءه

ثم لا تجدُ أحدًا.


حين تصبحُ الأماكنُ

أوفى من أهلها

والصورُ أدفأ من أصحابها

والذكرياتُ

أكثرَ حضورًا

من الذين صنعتهم.


عندها فقط

نعرفُ أن الشيخوخةَ

ليست عددًا في العظام

بل عددُ الأشياءِ

التي لم تعد تستطيعُ أن تعود.


وحين يشيخُ الضوءُ في الجسد،

لا تنطفئُ الروح


إنها تفعلُ شيئًا أكثرَ غموضًا


تسحبُ نورها

من العالمِ قليلًا قليلًا

من الوجوه

من الطرق

من النوافذ

من الأشياءِ التي كانت تظنُّ

أنها ستبقى.


ثم...


حين لا يبقى في الخارج

ما يكفي من الضوء

تلتفتُ إلى الداخل


فتكتشفُ، متأخرةً

أنها لم تكنْ مصباحًا للعالم...


كانت شمسًا

نسيتْ طويلًا

أن لها جهةً أخرى


وحين يشيخُ الضوءُ في الجسد،

لا تنتهي الحكاية


فقط...


يتوقفُ الإنسانُ

عن إضاءةِ العالم


ويبدأ ــ للمرةِ الأولى 

في إضاءةِ نفسه.


علي عمر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال