مطر بعد يباس /سامية خليفة /نقد الدكتور ناصر أبو زيد
قراءة نقدية في قصيدة الأديبة والشاعرة / سامية خليفة ، بعنوان : ( مطرٌ بعدَ يباسٍ ) للناقد الدكتور / ناصر أبوزيد ، تقول القصيدة : ــ
مطرٌ بعدَ يباسٍ
ترقدُ أوراقُ الشَّجرِ
على الأرضِ متهالكةً
صفراءَ لكنَّها
موشَّاةٌ بألفِ لونٍ
عدا الأخضرِ
ترجو من أديمِ الأرضِ حضنًا دافئًا
والأرضُ عنها
صمَّاءُ بكماءُ عمياءُ
لا تسمعُ نداءَ فؤادٍ يحتضرُ
أهيَ غربةُ الرُّوحِ
عنِ الوطنِ؟
أهيَ النِّهايةُ أن نتشابهَ في الاغترابِ؟
أن نتشابهَ بأوراقِ خريفٍ تلهثُ
تجري وراءَ مصيرٍ مجهولٍ
إلَّا من حفرِ موتٍ وشيكِ الأثرِ
نحنُ نشبهُها وننتظرُ
أتراهُ لنا مثلُها
نفسَ المصائرِ؟
أُنظرُ بقلبٍ واجفٍ
ها نحنُ حقًّا مثلُها
تذرونا الرِّياحُ
نحنُ مثلُها
اُنظروا كمْ نشبهُها
نحنُ أوراقٌ اغتربنا
عنِ أمِّنا الأرضِ
نحنُ أوراقٌ
إلى حينِ يروينا المطرُ
من بعدِ عطشٍ
سننزفُ موتًا
الغوثُ في الغيْثِ
انتظارٌ وترقُّبٌ
هو الشَّوقُ إلى اعتلاءِ حضنٍ
أضنى الفؤادَ
فتمزَّقَ وتينُه من تباريحِ الجوى
نموتُ كما تلكَ الأوراقُ
فما نفعُ مطرٍ من بعدِ موْتٍ
حينَ ينهمرُ؟
ما نفعُهُ
بعدَ يباسِ الأملِ؟
خريفُ الجفافِ في أيلولَ يعتلي
عرشَ الرِّيادةِ
متى يا ربيعُ تخضرُّ فيكَ الأماني؟
متى يا شتاءُ تنهمرُ؟
لنردِّدَ بلا يأسٍ:
مطرٌ.. مطرٌ.. مطرٌ
ادْفُقي يا خيراتُ علينا
واغْسِلي
من أوطانِنا
خريفَ الخذلان
الشاعرة والأديبة /سامية خليفة /لبنان
ــ التحليل والنقد والتعليق على القصيدة : ــ
ــ العنوان المقترح للدراسة النقدية : ــ
ــ ( جغرافيا الاغتراب وانكسار الأمل: قراءة نقدية في شعرية الفقد لدى سامية خليفة )
ــ تنسج الشاعرة والأديبة اللبنانية الأستاذة / سامية خليفة في قصيدتها "( مطرٌ بعدَ يباسٍ )" نصًّا وجدانيًّا مكثفًا، يتعانق فيه همُّ الذات بهَمِّ الوطن، وتتحد فيه تجربة الاغتراب الإنساني بلحظة الانكسار الوجودي، مستعيرةً من الطبيعة رموزها الأكثر إيلامًا (خريف الأوراق) لتجسيد غربة الروح وتهاوي الأماني.
ـ العنوان والمفاتيح الدلالية : ــ يتشكل عنوان القصيدة "( مطرٌ بعدَ يباسٍ )" من مفارقة زمنية ونفسية ؛ فـ "اليباس" يقدم حالة الجفاف والفقد السابقة ، بينما يلمح "المطر" إلى أملٍ متأخر قد يفقد قيمته إذا جاء بعد فوات الأوان.
ــ تتحرك القصيدة عبر شبكة من المفاتيح الدلالية الموزعة بين قطبين:
ــ قطب السلب والعدم: (يباس، متهالكة، صفراء، صمَّاء، بكماء، عمياء، اغتراب، موت، الجوى، الخذلان).
ــ وقطب التوق والأمل: (موشَّاة، حضن، المطر، يروينا، الغيث، الشوق، ربيع، تنهمر).
ـ الانكفاء الذاتي واستجلاء الطبيعة والحدث الإنساني : ـ
ــ تتجلى في النص حالة من الانكفاء الذاتي؛ حيث ترتد الشاعرة إلى الداخل لتتأمل مصير الذات ومصير الجمع. لكن هذا الانكفاء لم يعزل النص عن واقعه، بل تحقق عبر استجلاء الطبيعة؛ إذ تحولت "أوراق الشجر الصفراء" من مجرد مشاهد خريفية إلى حدث إنساني يجسد غربة الإنسان العربي واللبناني تحديدًا. فالأرض لم تعد أُمًّا حنونًا، بل غدت "صمَّاء بكماء عمياء"، ليصبح سقوط الورقة معادلًا موضوعيًّا لضياع الإنسان وتشرده في مواجهة مصير مجهول.
ــ المطلع والخاتمة: بين الصدمة والرجاء
ــ المطلع: جاء المطلع خاطفًا ومكثفًا بأسطر قصيرة جدًّا تتلاحق كأنفاس متهدجة: ( مطرٌ / بعدَ يباسٍ / ترقدُ / أوراقُ الشَّجرِ)
ـ تضعنا الشاعرة مباشرة أمام مشهد السقوط والتهالك، مموسقًا ( أي : مصوغًا ومصنوعًا صياغةً موسيقية ) بتقطيع شعري يعكس انكسار الحالة النفسية.
ــ الخاتمة : رغم نبرة الفاجعة في منتصف النص (" فما نفعُ مطرٍ من بعدِ موْتٍ ؟ " ) ، تكسر الشاعرة طوق اليأس في الخاتمة ، وتنتقل من الانهيار إلى الاستسقاء والرجاء الجماعي: ( لنردِّدَ بلا يأسٍ: / مطرٌ.. مطرٌ.. مطرٌ / ادْفُقي يا خيراتُ علينا / واغْسِلي من أوطانِنا خريفَ الخذلان).
ــ البنية الإيقاعية والموسيقية والأسلوبية : ـــ
ــ الإيقاع والموسيقى : تنتمي القصيدة إلى شعر التفعيلة القائم على التكرار والتنويع النغمي، واعتمدت على تدوير الأسطر وتجزئة الكلمات لترسيم إيقاع نفسي يحاكي تساقط الأوراق وحشرجة الشوق. كما أضفى تكرار بعض الألفاظ ("نحنُ"، "مطرٌ"، "مثلُها") ظلالًا موسيقية حزينة ودافقة.
ــ الأسلوب اللغوي والوجداني: اتسم الأسلوب بالتدفق الوجداني الصادق، والجمع بين البساطة اللفظية والعمق التركيبي. وظفت الشاعرة الاستفهام الاستنكاري ("أهيَ غربةُ الرُّوحِ؟"، "متى يا ربيعُ؟") لشحن النص بطاقة شعورية تتساءل ولا تستسلم.
ــ السلامة اللغوية والنقد الأسلوبي : ــ
ــ جاء النص سليمًا من الناحية الصوتية، والنحوية، والصرفية، والإملائية، والتركيبية. وتتجلى البلاغة في استخدام التشخيص والاستعارة:
ـ تشخيص الطبيعة: جعل الأرض "صمَّاء بكماء عمياء"، وتصوير الأوراق وهي "تلهث وتجري".
ــ التناص الإيقاعي : التناغم الواضح في الخاتمة مع نداءات السياب المشهورة ("مطر.. مطر.. مطر")، مما أضفى عمقًا رمزيًّا وتاريخيًّا على الأمل المستسقى.
ــ استدعاء الحواس ونقاط القوة : ــ حركت الشاعرة الحواس الخمس داخل النص لتعميق التجربة : ــ
ـ البصر: ( أوراق صفراء، موشَّاة بألف لون، حفر موت ).
ــ السمع: (نداء فؤاد، نردد، صمَّاء).
ــ اللمس: (حضن دافئ، الجفاف، تباريح الجوى).
ــ الذوق والشعور بالرماد: (العطش، نزف الموت).
ــ نقاط القوة في النص :
ــ القدرة العالية على بناء معادل موضوعي بين ورقة الخريف والإنسان المغترب.
ــ التدرج الدرامي المتصاعد من الاستسلام والموت إلى الانعطاف ونفي اليأس.
ــ التكثيف اللغوي والابتعاد عن الحشو.
ـ شهادة الناقد وخلاصة القراءة : ــ
ــ تثبت الأديبة والشاعرة سامية خليفة في هذا النص أن الشعر الحقيقي هو الذي يحول الوجع الخاص إلى قضية إنسانية عامة. لقد نجحت باقتدار في توظيف الرمز الطبيعي لخدمة النص الوجداني والوطني، واستطاعت أن تنقل المتلقي من حالة التأمل المحزون أمام سحق الخريف، إلى طاقة رجاء تطالب بغسل "خريف الخذلان" من جسد الوطن.
ــ إنها قصيدة تنبض بالصدق، وتجعل من الكلمة المكتوبة وثيقة وجدانية تشهد على أصالة التجربة ا
شكري وتقديري للناقد المصري الكبير د. ناصر أبوزيد لقراءته الراقية والعميقة لنصي مطر بعد يباس.
قراءة نقدية في قصيدة الأديبة والشاعرة / سامية خليفة ، بعنوان : ( مطرٌ بعدَ يباسٍ ) للناقد الدكتور / ناصر أبوزيد ، تقول القصيدة : ــ
تعليقات
إرسال تعليق