مريانا مراش /عبد الحميد ديوان
من كتابي أشهر النساء في التاريخ
مريانا مراش (أول صالون أدبي في الشرق) 1849-1919م
تعتبر مريانا مراش من أهم الأديبات في شرقنا العربي في العصر الحاضر وتضارع في مكانتها الأدبية عائشة التيمورية في مصر، فهي شاعرة حلب الأولى دون منازع ومن أكبر شاعرات القرن التاسع عشر، وما ذاك عليها بغريب فهي سليلة بيت أدبي عريق، فأبوها فتح الله مراش الرجل الفاضل الذي كان همه الكتب فقد جمع مكتبة كبيرة سماها المكتبة المراشية، حوت هذه المكتبة كل أنواع الكتب، وأخواها عبد الله مراش الأديب الذي برع في فن الترسل وكان على جانب كبير من الثقافة والثاني فرنسيس مراش الأديب والشاعر المعروف في زمانه.
ولدت مريانا في حلب عام 1849م في بيت عُني بقضايا الأدب والفكر كما رأينا ورأت تقسيمها منذ يومها الأول محاطة بالكتب، وعندما دخلت مرحلة الصبا تتلمذت على يد أخيها فرنسيس الذي درسها اللغة العربية، ثم درست الفرنسية في مدرسة راهبات مار يوسف وأتقنت فنون العربية من نحو وصرف وعروض على يد أبيها، كما درست الموسيقى فكانت عازفة بارعة.
وكانت مريانا تحلم بالدراسة في بيروت التي كانت ترى فيها مدينة الأدب فهي مصدر الإشعاع الفكري في المنطقة وملتقى التيارات الأدبية في العالم حتى أنها لقبت بباريس الشرق وتحقق لها ما كانت تحلم به فغادرت حلب الشهباء، إلى لبنان لتدخل المدرسة الإنجيلية وتغني فيها ثقافتها العربية والإنكليزية، لكنها لم تقم فترة طويلة في بيروت فعادت إلى حلب لتكمل تعليمها على يد أبيها الذي كان علامة عصره.
ولم تكد تستكمل ثقافتها الأدبية حتى أخذت تكتب في الصحف والمجلات، فكتبت في جريدة (لسان الحال) وفي مجلة (الجنان) التي كان يصدرها المعلم بطرس البستاني الذي كان يشجع أديبتنا على الكتابة ويرعى موهبتها الشعرية التي بدأت تتفتح.
يقول الأديب سامي الكيالي عنها: "كانت مريانا المراش تنتقد التقعّر في أساليب الكتاب، وتدعو بنات جنسها إلى معالجة الكتابة، وإلى تحسين الإنشاء، وتنويع الموضوعات والتفنن فيها".
وقد سافرت مريانا إلى أوروبا واطلعت على أخلاق الأوربيين وعاداتهم عن قرب، فاستفادت منهم كثيراً، ثم عادت إلى الوطن لتبث بين بنات جنسها روح التمدن الحديث والأخلاق الصحيحة.
وفي مكان آخر يذكر الأستاذ الكيالي قائلاً: "كانت مريانا من الشاعرات المشهورات في زمنها، فهي أول أديبة كتبت في الصحف ولا سيما بعد زيارتها لديار الغرب، وظهور امرأة تكتب في الصحف، وتنظم الشعر في تلك الفترة المظلمة حادث له دلالته، وتاريخنا القريب يقول إن الذين يقرؤون ويكتبون من الرجال في تلك الفترة بالذات من الندرة بمكان، لذلك كان ظهورها في خضم تلك الليالي المظلمة أشبه بالنجمة المضيئة في كبد السماء".
والحقيقة أن من أهم عوامل تخليدها في دنيا الأدب كان بالإضافة إلى شعرها صالونها الأدبي الذي يعتبر الأول من نوعه في الشرق، قبل أن تفتتح الأديبة مي زيادة صالونها الأدبي الذائع الصيت في مصر. ويبدو أن رحلتها إلى أوروبا ومشاهدتها للكثير من تلك الصالونات في الغرب كصالون مدام دي ستايل وغيرها.. شجعها على إقامة هذا الصالون الذي أرسى دعائم الأدب الحديث في شرقنا العربي.
وكان صالونها الأدبي يحوي في رحابه كبار الأدباء في مدينة حلب آنذاك مثل قسطاكي الحمصي، وجبرائيل الدلال، وكامل الغزي وغيرهم كثيرون. فكانوا يتطارحون الشعر فيما بينهم ويتبادلون أخبار الأدب في الشرق والغرب. وكانت مريانا الشاعرة اللطيفة تلف الجميع بأجنحة حبها الدافئ وأنوثتها الناعمة، وتوزع على الجميع بسماتها وكلامها الرقيق حتى ليشعر الجميع بأنهم محط اهتمامها، وكانت تمتعهم بغنائها العذب وصوتها الساحر.
وهذا قسطاكي الحمصي أحد رواد صالونها الأدبي يحكي لنا مشاعره تجاهلها فيقول: "كانت مريانا مليحة القد، رقيقة الشمائل، عذبة المنطق، فكهة الأخلاق، طيبة العشرة تميل إلى المزاح، وكان منزلها مثابة الفضلاء وملتقى الظرفاء والنبهاء، وكان لنا عندها منزلة ترتد عنها أعين الحساد كليلة، لما كان بيننا وبين شقيقها عبد الله من المودة الجزيلة".
أما شعرها فقد تميز برقة الأنثى وسهولة التعابير وحسن التناول فشعرها تنوع بين المديح والغزل والرثاء وبعض الإخوانيات والروحانيات وقد جمعت شعرها في ديوان سمته "بنت فكر".
ففي مدحها تناولت عدداً من رجال الحكم عرب وأتراك وكان مدحها مدح إعجاب ولم يكن مدح توسل وتكسب ففي قصيدة مدحت فيها جميل باشا بولاية حلب سنة 1881م قالت مهنئة:
أفديه لا أفدي سواه جميلا أولى المحب تعطفاً وجميلاً
بدرٌ عنت دول الجمال لحسنه فأبى لذا تمثاله التمثيلا
فإذا تجلى فوق عرش كما له تجثو له زهر النجوم مثولا
وإذا توارى في حجاب سنانه لا تبلغ الجوزا إليه وصولا
أما رثاؤها فيكاد ينحصر في أهلها وأقربائها. فعندما توفي أخوها فرنسيس سنة 1873م رثته بحرارة كادت تبلغ بها مبلغ الخنساء في زمانها عندما رثت أخاها صخرا، فالمصاب يكاد يكون واحدا إذ أن مريانا فقدت أخاً شاباً كريماً عطوفاً عليها كما كان أخو الخنساء صخر ولذلك فإننا نجد في قصيدتها نقاط التقاء في أكثر من موقع.
تقول مريانا في أخيها:
ما لي أرى أعين الأزهار قد ذبلت ومالَ غُصنُ صباها من ذرا الشجر
ما لي أرى الروض مكموداً وفي كربٍ والماء في أنّةٍ والجو في كدر
ما لي أرى الورق تنعي وهي نادبة فراق خل وتشكو لوعة الغير
نعم لقد سابق الأحياء أجمعها ونام ذا اليوم مطروحاً على العُفر
من فقه الناس في علم وفي أدب ونوّر الكلّ في شمس من الفكر
أبدى من الفضل ضوءاً لا خُبُوّ له والشمس شمسٌ وإن غابت عن النظر
وإنه بحرُ علمٍ لا قرار له وقد حوى كلّ منظوم من الدّرر
هذا الذي جابت الأقطار شهرته قد صار مُطرحاً في أضيق الحفر
خنساء صخر بكته حينما نظرت إليه مُلقى بلا سمع ولا بصر
في لجة الحزن نفسي ضاق مسكنها من ذا يُسلّي فؤادي قلّ مصطبري
فمريانا في قصيدتها تعظم أخاها وتظهر فضله وعلمه وأدبه، وتشيد بمناقبه وشهرته الواسعة وتشرك في حزنها الطبيعة من أزهار ورياض وحمائم، بل إنها تجعل الخنساء نفسها تشاركها حزنها على أخيها، لقد كانت عواطفها تفيض جياشة في كل بيت من أبيات القصيدة.
وفي غزلها نجد رقة وعذوبة وعواطف مفعمة بالأحاسيس الجميلة فكانت في غزلها ترسم نبضات قلبها بشعر رقيق كما نجدها في قصيدة (للعاشقين بأحكام الغرام رضا).
للعاشقين بأحكام الغرام رضا يُمسون صرعى به لم يألفوا المرضا
لا يسمعون لعذلِ العاذلين لهم فلا تكن يا فتى للجهل معترضا
روحي الفداء لأحبابي وإن نقصوا ذاك الذمام وقد ظنوا الهوى عرضا
جاروا وما عدلوا في الحب إذ تركوا عهد الوفي الذي للعهد ما نُقضا
قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوا وكان يزعم أن الموت قد فُرضا
أصاب سهم لحظٍ لم يُبال به فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا
رأى فحبّ فرام الوصل فامتنعوا فما ابتغى بدلاً منهم ولا عوضا
تقطّع القلبُ منه بانتظار عسى فرام صبراً فأعيا نيله فقضى
وقد لفت شاعرتنا اللطيفة مريانا مراش شعرها بسياج الحكمة الذي كان دائماً هو خلاصة تجارب الإنسان في حياته ومنطلق نظرتهم الفلسفية إلى هذه الحياة، تقول الشاعرة:
شرف القتلى عقلٌ يسمو على كلّ الورى فينال غايات المنى
وكذاك حسنُ الخلق فخر مودة متسربلٌ بالعطف نِعم المقتنى
ما كل من طلب الكرامة نالها من رام صيد الظبي حلّ به العنا
ذو المال يذهب ذكره مع ماله لكنّ ذكر الفاضلين بلا فنا
ولم ينصف الدهر مريانا مراش أبداً: فقد فقدت أخاها فرنسيس وأباها وأمها فشعرت بالوحدة، ولذلك آثرت الزواج فاختارت حبيب الغضبان الحلبي، ولكنها لم ترزق بالأولاد.
لقد كانت حياة مريانا مراش تشبه حياة الأديبة المعروفة (مي زيادة) فكما تمكن الداء العصبي من مريانا، تمكن أيضاً من مي زيادة هذا الداء الذي أورثها الضيق والملل والانقباض حتى كانت تفضل الموت على الحياة.
وقد قضت مريانا نحبها في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1919م كما قضت مي زيادة نحبها في نهاية الحرب العالمية الثانية 1946م.
تعليقات
إرسال تعليق