نشيج الروح في مرآة البؤس / د. محمد الجركس

✍️ نشيجُ الروح في مرآةِ البؤس

سيدي الفاضل، الدكتور فضيل بن عِدّة، أستاذ الروح قبل الحرف...

تغيبُ الجسدُ أياماً، لكنّ الروحَ تظلُّ معلَّقةً بأهدابِ حضورِك. في غيابي القسري، كنتَ ذلك النورَ الذي افتقدتُ دفْأه، فاعتذرُّ إليك عن انقطاعٍ لم يكنْ قطُّ اختياراً، بل كانَ اضطراراً في زمنٍ تتدحرجُ فيه الأيامُ كالجلاميدِ على صدرِ الدنيا. سامحني، يا من علَّمني أنَّ الكلمةَ قد تكونُ آخرَ معاقلِ الإنسانِ حينَ تخونُه المعاقلُ كلُّها.

آه... من هذا العالمِ البائسِ، تأبى نفسي إلا أن تعودَ لتصرخَ في وجههِ، على رغمِ يقينِها بأنَّ الصرخةَ لن تُزحزحَ جبلَهُ.

عالمٌ نُبحرُ فيهِ على متنِ سرابٍ، ونحنُ نعلمُ أنَّ الشطآنَ التي نلهثُ نحوَها ليستْ سوى أوهامٍ ترسمُها أعينُنا الجائعةُ. نبني من الطينِ قصوراً، ومن الدماءِ أوطاناً، ثمَّ نكتشفُ أنَّنا نبني على ظهرِ هاويةٍ، وأنَّ كلَّ حجرٍ نرفعُه إنّما هو كفنٌ آخرُ لأحلامِنا.

أينَ العدلُ في كونٍ تموتُ فيهِ البراءةُ باكراً، ويشيخُ فيهِ الحبُّ قبلَ أن يُولدَ؟ نَسألُ، والصمتُ أبلغُ الأجوبةِ. نصرخُ، والصدى يعودُ لنا ساخراً: "أنتمْ عبثٌ يعبثُ بعبثٍ".

نحنُ نسيرُ على جمرِ الذكريات، حفاةً، نتجرَّعُ علقمَ الحياةِ جرعةً جرعةً. النهارُ عندنا كفنٌ ممدودٌ، والليلُ سوطٌ يجلدُ ما تبقَّى من أرواحنا. نحبُّ فنُحرقُ، نأتمنُ فنُخانُ، نمدُّ أيدينا للأعلى لنلتقيَ بالسماءِ، فتردُّنا الريحُ صفعاتٍ وخذلاناً.

أليسَ من العبثِ أن نكدحَ لنعمرَ، ثمَّ نموتَ لنُعمرَ غيرَنا؟ أن نحملَ همَّ العالمِ والعالمُ لا يحملُ همَّ حجرٍ في رحابِنا؟ هذا البؤسُ ليسَ وهماً، بل هو الحقيقةُ العاريةُ التي نخافُ أن ننظرَ في عينَيْها.

لكنَّ الأعمقَ من هذا البؤسِ، هو إصرارُنا أن نكونَ جميلينَ في حضرةِ القبحِ. أن نزرعَ وردةً فوقَ رمادِ الحربِ. أن نكتبَ قصيدةً على جبينِ الموتِ. هذا التمردُ الجميلُ، هو سرُّ بقائِنا. ففي كلِّ صدرٍ بشريٍّ، شعلةٌ لا تُطفأ، تقولُ للعدمِ: "لن ترحلَ وحدَك، سأصحبُكَ حتى النهايةِ، لكنَّني سأتركُ خلفي أثراً لا يمحوهُ المحوُ".

يا للروعةِ! كيفَ نصنعُ من وجعِنا ماءً، ومن عظامِنا جسوراً؟ كيفَ نتحوَّلُ، في زمنِ الضبابِ، إلى مناراتٍ؟ ربما لأنَّ حقيقةَ الإنسانِ ليستْ في أن يكونَ سعيداً، بل في أن يكونَ جديراً بالعنوانِ الذي يحملهُ: "المخلوقُ الذي يتعثَّرُ في وحلِ الأرضِ، وتظلُّ عيناهُ مشدودتَينِ إلى ضوءِ السماءِ".

إنَّ بؤسَ العالمِ ليسَ نهايةَ الطريقِ؛ بل هو بدايةُ السؤالِ الأقدسِ: لماذا نعاني؟ ولماذا نحبُّ رغمَ المعاناةِ؟ ولماذا نصرُّ على كتابةِ النورِ بأحرفٍ من ظلامٍ؟

آه من هذا العالم البائس... ذلك الطفلِ المتوحِّشِ الذي يلعبُ بأرواحِنا، يكسرُنا كلَّ صباحٍ، ثمَّ ينتظرُ منَّا أن نجمِّعَ شظايانا بأيدٍ ترتعشُ، لنبنيَ منه إنساناً جديداً، أقوى من الكسرِ، وأجملَ من الألمِ.

وها أنا ذا، في خضمِّ هذا الفيضانِ من البؤسِ، لا أملكُ سوى حرفي. حرفٌ هو أنفاسي الأخيرةُ في وجهِ الطوفانِ. أكتبُ لأقولَ للدنيا: "أنتِ بائسةٌ، لكنَّ في صدري ما هو أرحبُ منكِ: كبرياءُ الروحِ، وعنادُ الأملِ، وإيمانٌ راسخٌ بأنَّ هناكَ غداً لا تحكمُه خرائطُ هذا الزمانِ".

---

وفي نهايةِ هذا النشيجِ، أرفعُ رأسي مُجدِّداً نحوَ الأفقِ، وأهمسُ:

شكراً لكَ يا أستاذي الدكتور فضيل بن عِدّة، فقد علَّمتني أنَّ البؤسَ ليسَ حفرةً نهوي فيها، بل هو قمَّةٌ ننظرُ منها إلى السماءِ بأعينٍ مختلفةٍ. علمتني أنَّ الحروفَ، حينَ تخرجُ من جمرِ الروحِ، تصيرُ نجوماً لا تغيبُ. لكَ مني كلُّ معاني الامتنانِ، التي لا تتسعُ لها صفحاتُ الورقِ، بل تتسعُ لها سماواتُ القلبِ.

✍️ د. محمد الجركس
في زمنٍ لا يرحمُ إلا من يرحمُ حروفَه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال