ثالوث الوعي/خالد عبد الصمد
ثــالـوث الــوعـي وميكـانيكـا الكـم (الجــزء 3):-
بتـأمـل النســيج الكـوني (الزمكــان) وأن جـاز القــول أســمية الســاعة الكونيـــة، بالنظــر إلـي الســماء تبــدو قوانيــن الفـيزياء بشــقيها "الكلاســيكية والكمــية" المكتشــفة، تعمــل وفـق نظــام صــارم بالـغ الدقــة.
فـي الآونــة الأخــيرة وعـلي مـدار عقـــود، عكــف علمـاء الفـيزيـاء والرياضــيات عـلي محـاولـة تفســير غــير مفهــوم لهـم، وهـي تشــبه إلـي حـد مـذهـل ما يســمي بتصــحيح الأخطــاء البرمجيـــة. وعـلي ســبيل المثــال ســرعة تـدفـق الأحــداث فـي الفضــاء، يشــبه تمـامـا ســرعة المعـالجـة المـركـزية فـي أجهــزة الحواســيب.
وقـد اكتشــفت فــيزياء الكـم مـؤخــرا عـن وجـود خوارزميـــات، لتصــحيح الأخطــاء الرقميــة المدمجــة بشــكل عميــق داخــل القـوانيــن، التـي تحكـم الجســيمات الأوليــة "العـالـم دون الـذري". وهـذه النتـائج تـم الحصــول عليــها مـن نتــائج وتجـارب مســرعات الجســيمات، وأحـدث التلســكوبات الفضــائية، والتـي مـن المفــترض أن ترصــد أطــراف الكــون الســحيق.
الـواقـع المـرئي لـه الظــاهـر، أمـا الكــون فلــه بنيـــة عميقـــة شــديدة التنظــيم، ترفــض العشــوائية والفوضــي شــكلا وموضــوعا.
هنــاك شـــيفرة مصــدرية يتســاوي فيهـــا بنــاء الـذرة وبنــاء المجـــرة، وهـي خــلق الشـــيئية مـن مكــونات أوليــه طاقيــــة (جســيمات ومـوجـات)، وهـي لمـن يـؤمـن بالمــادة غيـــب، وهـو مـا يطــلق عليـــه البعـــض العــدم.
فـي العـالـم المـألـوف والـذي قـد يبــدو متنــاغـم مـع حـواس وجـوارج الإنســان فيبــدو كـل شـــئ كـل شــئ صـــلب وواضــح المعـالـم المرئيــــة، ممـا يجعــل الـواقـع متســق ظـاهـريا مـع الحـواس. أمـا الجــدر (الــبرازج) فهـي مـوجـودة وفــق قوانيــن محســوبة بـدقـة، بغــض النظـــر عـن رصــدها أو رؤيتهـــا. عـند البحــث فـي أعمــاق المـادة، وصــولا إلـي العـالـم المتنــاهي الصـــغر (عـالـم الجســيمات دون الـذريـة)، تنهـــار كـل البديهيـــات (القوانيــن) الكلاســيكية، وتــبرز ظــواهــر أخــري تحــير العقــول البشــرية القاصــرة والمحـدودة بعـالـم الشــهادة.
مـن أشــهر التجــارب فـي تاريـخ الفــيزياء الحديثـــة، تجــربة الشـــق المــزدوج، وبـدأت الدراســـة لمعــرفة طــبيعة الضــوء، ثـم تطــورت لاحقـــا لتشــمل المـادة الصــلبة نفســـها، متمثــلة فـي الإلكــترونات وهـي مـن اللبنـــات الأسـاسـية للــذرات، وهـي مـا تمثــل أحـد مكــونات المـادة الملموســـة.
التـوقـع المنطــقي البســيط أن الإلكــترون يمـر مـن أحـد الشــقين، وبالتـالي ينتـج عـلي الشـاشـة الخلفيـــة نقطــه أو جســيم مســتقيم، طبقـــا لعـدد الإلكــترونات المـارة، لكـن ظهــر عـلي الشـاشــة نمـط تـداخـل معقـــد، وهـذا النمــط هـو الســمة الممــيزة للمـوجـات. ومـن الغريـــب عـند رصــد الإلكــترون يتصــرف كجســيم (خـط عـلي الشـاشـة الخلفيــة). وعـند عـدم الرصــد تظهــر الطـبيعة الموجيـــة، وهـذا يعـني أن الإلكــترون عـند عـدم الرصــد، يتصــرف كـأنـه موجـة احتمــال نقيـــة (وهـي دالــة تصـف الحـالة الكمــومية لجســيم، ويـرمـز لهــا عـــادة بـ ψ)، وتعــرف هـذه الظــاهـرة فـي الفــيزياء باســم تأثــير المراقـــب. وهـذا قـد يكــون هـو التراكـــب الكمــي، حيـث جمـيع المـواقـع والمســارات المحتمــلة مـوجـودة فـي آن واحــد، كـدالـة احتمـالية رياضــية نقيـــة. وعـند الرصــد تنهـــار الـدالـة الموجيــــة، وتتقـلص إلـي نقطــة واحـدة فـي الزمـان والمكـــان. مـن الناحيــة المنطقــية الكـون المـادي فـي حـاجـة لمـن يراقبـــه، وهنــا الســؤال لمـاذا يـرفـض الـواقـع دون الـذري أن يتخــذ شــكلا صـــلبا ومحــددا إلا عـندما يراقـــب ويرصـــد؟.
فـي تقـــديري الإجـابـة فـي حســن تـدبـر الأيــات البينــات المبينــات التاليـــة:-
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. ســورة البقــرة 255.
الم (1) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. ســورة آل عمـران.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) ۞ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا. ســورة طـه.
القيــوم هــو القــائم بـذاتـه فـلا يحتــاج إلـى أحــد، وهـو المقيــم لغيــره وبـه قيــام السـماوات والأرض وكـل المخــلوقات، وهـو المراقـــب لخلقــه كـافـة، مـا دون الـذرة حـتي المجــرات والعناقيــد الكـونيـة، ســـبحان الله العـلي العظــيم.
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا. سـورة الجـن 26.
الله سـبحانه وتعـالي الحـي القيــوم، هـو عـالـم الغيــب والشــهادة، ولا أحـد مـن خلقـــه مهمــا علـــت منــزلته لا يطــلع عـلي غيبــه، إلا مـن أرتضــي أن يهبــه بعــض العــلم.
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ. سـورة القمـر 49.
الله سـبحانه وتعـالي الحـي القيــوم، هـو الخـالق البــارئ المصــور، والخــلق كـافـة وفـق القوانيــن والســنن التـي بثهـــا فيـه الله ســبحانه وتعـالي وفـق مــراده.
الله سـبحانه وتعـالي الحـي القيــوم، عـالـم الغـــيب والشــهادة (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. سـورة الأنعـام 59)، أمـا عـلي المســتوي البشــري (عـالـم الشــهادة)، يتضــح للعلمــاء أن المـرئي مـن تفـاعـلات النســيج الكــوني وفـق علـومهم المتــاحة، والتفــاعلات الكونيــة يعتقــدون أنهـا عبــارة عـن برمجيـــة وخوارزميــة، قـد تطــابق المبـدأ البرمجــي للحواســـيب. الجســيمات فـي الكــون تظــل معــادلات احتمــالية، وموجـات رياضــية غــير مجســدة تمــلأ الفــراغ، ولا تتبـــلور وتتحــول إلـي واقــع مـادي صـــلب، ومحــدد الموضـــع إلا عــندما تخضــع للتفــاعل أو القيـــاس وفـق أرادة القيـــوم. وهكــذا تتقــارب قوانيــن الكـم وطــرق الحوســبة الكفــؤة "الحصــول عـلي نتــائج أفضـــل بمــوارد أقـــل وفـي أقــل وقـــت".
وهنــا ســـؤال دار فـي ذهــن علمـاء الفــيزيـاء والرياضـــيات، هـل ســلوك الجســيمات الكميــة هـو فـي الحقيقـــة وســيلة النظــام الكــوني لحفــظ البيــانات واســتهلاك الطـاقة الحســابية بأعـلي درجــات الكفــاءة؟.
فـي تقــديري الأجـابـة القاطعـــة فـي حســن تـدبـر قـول الله ســبحانه وتعــالي "بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. ســورة البقـرة 117".
أنهيــار الـدالـة الموجيــة عـند المراقبـــة، قـد لا يكــون لغــزا غامضـــا، بـل نـافـذة نطــل منهـــا عـلي البنيـــة الحســابية العميقـــة، التي يقــوم عليهـــا نســيج الكــون.
دراســـة القوانيـــن (الفطــرة) التـي تحكـم الكــون (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ســورة فـاطـر 1)، يتـم اكتشـــاف حقيقـــة تثيـــر الكــثير مـن التســأؤلات العلميــة والفلســفية، الـواقـع ليـس بـلا نهــايات، بـل محكــوم بحــدود صــارمة، وحـدود قصــوي ودنيـــا "بــرزخ:، لا يمكــن للمــادة أو الطـاقـة تجــاوزهـا. للكــون قيــود هندســية وبرمجيـــة لا يمكــن كســرها، وقـد يتضــح ذلـك بوضـوح فـي ثـلاثـة ثوابـــت أسـاســية مكتشـــفة.
1- ســرعة الضــوء وقيمتهـــا المعروفـة والمعلنــة حـتي الآن 300,000 كيــلو مـتر فـي الثانيـــة، لا يمكــن لآي جســم يمتـلك كتــلة أو حـتي أشــارة أو معــلومة، التحــرك بأســرع منهـــا، فحـاجـز ســرعة الضــوء جـدار لا يمكـن أخــتراقه "تجــاوزه". ويمكـن تشــبية ســرعة الضــوء، بالتـردد الزمـني أو ســرعة نبضـــات ســاعة المعـالج الكــوني، فســرعة الضــوء هـي المعــدل الأقصــي الـذي يســتطيع مـن خـلالـه النظــام الكــوني تحديـــث حـالـة الجســيمات، ونقــل التغــييرات المكـانيـة مـن نقطــة إلـي أخــري، ممـا يضــمن أســتقرار التـدفق الزمـني، وعـدم تـداخـل الأحـداث، أو حـدوث أخطــاء حســابية فـي معالجــة تفــاعـلات الطــاقة والمــادة.
2- طــول بـلانـك وهـو مـا يقــود إلـي أعمـاق النســيج الهندسـي للكــون، وهـو مقيــاس مكـــاني بـالـغ الصــغر يقــدر بحـوالي (1.616×10-35) مــتر، وهـو مقيــاس طـول أسـاسـي فـي الفــيزياء النظــرية، وهـو طــول صـــغير للغـايـة (أصـغر مـن قطــر البــروتون بحـوالي 1020 مــرة). بالجمـع بيـم ميكـانيـا الكـم والجاذبيـــة، يتضــح أن طـول بـلانـك يمثــل مقيــاس طــبيعي بـالـغ الصـــغر، وهـو أصــغر خليــة مكـانيــة غـير قابـلة للتجــزئة، وهـذا يعــني أن النسـيج الكـوني ليـس نســيجا نـاعـما ومســتمرا، بـل هـو فضــاء رقمـي مجــزء بدقـة بالغـــة، علمـا بـأنه لـم يثبـــت علميــا حـتي الآن، أن الكــون مبـني مـن خـلايـا شـــبكية ثلاثيـــة الأبعــاد. وهـذا يعـني أن الحـركـة فـي الكــون ليســت انـزلاقـا سـلســا ومســتمرا، بـل قفــزات دقيقـــة متتـالية بيـن وحـدات البنــاء المكانيــة الأسـاسـية للشــبكة الكونيـــة، وهـذا مـا يســمي بالحـركـة الســـبحية (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. ســورة الأنبيـاء 33).
3- الصــفر المطــلق (صـــفر كلفـــن ويســاوي -273.15 درجـة مئــوية)، وهـو يتعــلق بحــركة وحــرارة مكـونات المـادة. فـي الفــيزياء الحــرارية، تمثــل الحــرارة فـي جـوهـرها مقيــاس لمتوســط الطـاقة الحركيـــة، واهــتزاز الـذرات والجزيئـــات المكــونة للمــادة، كلمـا زادت الحــرارة، زادت حـركـة الجســيمات واصــطدامها، والعكـس بالعكــس. وعـند الصــفر المطــلق تتوقــف جمــيع أشــكال الحـركـة الأهــتزازية الكلاســيكية للـذرات، فتفقـــد المـادة كـل طاقتهـــا لتدخــل نظــريا فـي حـالـة مـن الســكون التــام، فتتغــير خصـائصـها بشــكل جـذري، وفـي هـذا النطــاق تتـداخـل الـدوال الموجيـــة للـذرات، لتتصــرف ككتــلة مـوحـدة وهـو مـا يطـلق عليـه تعريفيـــا بتكاثــف بـوزوأينشــتاين، وهـذا ما يشــبة حـالـة التجمــيد الكـامـل للنظــام، أو إيقــاف تنفــيذ العمليــات فـي خيــوط المعالجـــة. فيصــبح النظــام فـي حـالـة ســـبات، تنعــدم فيـه آي تحديثـــات موضــعية جـديـدة للمكــونات.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
تعليقات
إرسال تعليق