لماذا غاب فهم القرآن /٢٩/خالد عبد الصمد

 لمـاذا غـاب فهـم القـرآن الكـريـم (29).

بدراســـة النصــوص التـي وردت فـي الرســالات الســـماوية بشــكل شـــمولي، نجــد أن الشــيخوخة ليســت نهــاية الطــريق، الشــيخوخة ليســت غـرفـة انتظـــار قبـل المــوت، وليســت ممـرا مظلمــا يقــود إلـي النســيان. مـع أن الشــيخوخة قـد تكــون مـدخــل لأهـم مهمـــة فـي حيــاة المــرء، مـع مـرور الـزمـن لا ينتهــي المـرء ليصــير منتهــي الصــلاحية. فالمـرء طالمـا عـلي قيــد الحيــاة هـو مفعـــل، ومـازال هنــاك أســباب جـوهـرية لـوجـوده. فكبــار الســن ليســوا أشـــخاص يتـم التخـلص منهــم، لانتهــاء الفـائدة المـادية الظــاهرية، فكبــار الســن هـم مـن لـم يســقطوا كمـا ســقط كـــثيرين، تحــت وطــأة الابتــلاءات والاختبــارات، وتحــدي مـا يطــلق عليــه الظــروف القــاهرة والقاســية، لقـد صـــقلت أنفســهم مـن الألــم والخســارة والمكاســب والخـبرة والصــبر، لـذا يجــب أن تســند إليــهم المهــام الأكــثر حسـاســية، فالأجيــال الجـديدة غــارقة فـي بحــر مـن الضــجيج الرقمــي والنفســـي "الغــواية والضــلال"، وهنــا يـأتي دور الحكمــة التـي يحملهــا كبــار الســن.

كبــار الســن هـم الحامليــن لأكســير الحكمـــة، والحـامـل للـذي لا يســتطيع الشــباب الحصــول عليــه بســرعة، والعـلم الـذي ينتفـــع بـه يجــزي بـه الله ســبحانه وتعــالي فـي الدنيــا والآخــرة، وهـذا هـو ثــروة كبــار الســن الحقيقيــة. المجتمــع الحـالي يعــتبر كبــار الســن عبـــأ، وأن دورهــم قـد انتــهى، لـذا عليهــم الجـلوس فـي مكــان هــادئ، فـي صــمت انتظــارا للنهــاية. وهـذه واحــدة مـن أكــبر الأكاذيـــب التـي تـم ترويجهـــا، ليعتقـــد كبــار الســن أن عليــهم الاسـتسـلام فـي ســكون، والاقتنــاع أنـه لـم يعــد يمـلك شــيئا ليقــدمه، وهكــذا يتـم تحييـــد أغـني مصــادر الحكمــة فـي المجتمعـــات. الثقــافة الحديثـــة أسـسـت نظــاما كـامـلا لأبعــاد كبــار الســن عـن مـركـز الحيــاة، فيتقـــاعد وينعــزل كــبير الســن، تحــت حجــة الحـاجـة للـراحـة. لكـن الفــارق شــاســع بيـن الـراحـة وإلغــاء الهــدف. الـواعـي والعـاقـل مـن كبــار الســن، ينهــض نفســيا ليجعــل الســنوات الأخـيرة مـن حيــاته أكــثر الســنوات تأثيــرا. عـلي كبــار الســن عـدم فقــدان الهــدف، وهنــا ســؤال هــام، مـاذا ينتظــر الله ســبحانه وتعــالي مـن هـذه الفئـــة فـي هـذه المرحـلة مـن حيــاتهم؟.

قـد تكــون المهمــة الأولـي وهـي الأصـــعب، هـي نقــل الإيمــان الحقيقــي، لا مجــرد الـدين المـوروث. الله ســبحانه وتعـالي لا يطلــب مـن هـذه الفئـــة توريـــث أبنــاؤهم أو أحفــادهم، مجــرد عضــوية فـي مســجد أو كنيســـة، ولا تــرك مجمــوعة مـن الطقـوس الخاليــة مـن الحيــاة. المطــلوب نقــل نــور وهـدايـة الإيمــان، فكبــار السـن لـم يســمعوا فقــط، ولـم يقــرؤوا فقــط، ولـم يعــرفوا مجــرد معلــومات عـن الله ســبحانه وتعـالي، بـل عــرفوا وأدركــوا الله ســبحانه وتعـالي يقينـــا. لـذا وجــب عـلي كبــار الســن أن يـورثـوا إيمـانـا حقيقيـــا، لا نظــام مـن دون حيــاة، فيصـــبح ممــلا أو طقــوس مفــرغة مـن المعــاني والأفعــال، فيضــيع الإيمــان والمنهـج والتكليـــف، فيختــلط كـل شـئ فـي العــالـم المــادي.

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ. ســورة الأعــراف.

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. سـورة النسـاء 9.

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. سـورة مـريـم 59.

الـدين إذا تحــول إلـي عــادة فقـــط، يصــبح متوقعـــا وخاضــع للهــوي، والروتيــن لا ينقــذ الإنســان مـن الفــراغ، أو الانهيــار، أو اليــأس. لكـن الإيمـان الحقيقــي هـو التمســك بالعــروة الوثقـــي (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. سـورة البقـرة 256 - وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ. سـورة لقمـان 22).

للأســف الأجيــال الحديثـــة ولـدت فـي عـالـم الســرعة، والإجـابـات الســريعة، والطعــام الســريع، والرســائل الســريعة، والرضـــا الفــوري. لكــن الإيمـان الحقيقـــي، يـولـد فـي الانتظــار والصــبر.

الكلمــات هـي منبــع الحكمـــة، فالكلمــة بـلا مســئولية تهـدم وتـدمـر، والكلمــة المســئولة تبـني وتعمـــر، لذلـك كـان التحـذير القــرآني مـن الكلمــات بشــكل شــمولي.

 وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. سـورة القـلم.

لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. سـورة التـوبة 47.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ. سـورة الحجـرات 6.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. سـورة الحجـرات 11.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208) فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. سـورة البقـرة.

كبــار الســن فـي المجالــس ليســوا زينــة، بـل هـم مرجعـــا، يســاهمون فـي حـل الخـلافــات، وتوجيــه الجمــاعة، ونقـــل الـذاكــرة. عـند طــرد كبــار الســن مـن المشــهد، يخســر المجتـمع الـذاكــرة، والمنظـــور والعمـق الإنســاني، والحكمــة ومـا وراء الانفعــال اللحظـــي.

العــلاقـة بالله ســبحانه وتعــالي، ليســت وظيفـــة لهـا تـاريخ تقــاعد، بـل هـي صــلة وصــلاة دائمــة، يســعي إليهــا القلــب للحصــول عـلي الـراحـة والطمـأنينـة والســكينة.

إن أحســنت فمـن توفيــق الله ســبحانه وتعـــالى، وإن أخطـــأت فمـن نفسـي والشـــيطان.

خـالـد عـبد الصــمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال