الجرح الذي لا يرى / د. محمد جركس

الجرح الذي لا يُرى

في مخيّمٍ أُقيم على أنقاض قريةٍ لم يبقَ منها إلا اسمُها، وصل طبيبٌ شابّ يحمل حقيبة إسعافٍ وقلبًا مليئًا بالعجلة. كان يتصوّر أنه سيجد دمًا وأنينًا وجرحى يتوسّدون الأرض. لكنه وجد أناسًا جالسين بهدوءٍ غريب؛ امرأة تمسك فستان طفلةٍ صغيره، ورجلٌ يحدّق في السماء بلا كلام، وشيخٌ يعدّ حبات مسبحته وكأنه يعدّ أسماء من رحلوا.

سأل الطبيب:
— أين الجرحى؟
فأشاروا إلى صدورهم.
تقدّم من صبيٍّ جالسٍ على حجر، جسده سليم، لكن عينيه غارقتان في بحرٍ لا قرار له.
— أين يؤلمك؟
قال الصبي بهدوء:
— في مكانٍ لا تصل إليه يدك.

حاول الطبيب أن يفحصه، فمنعه الناس بلطف. وقالوا له بصوتٍ واحد:
— قل للطبيب الذي جاء يسعفنا لا تهدر الوقت ليس الجرح في البدن.

جلس الطبيب على الأرض، وأغلق حقيبته. ثم أخرج دفترًا صغيرًا وبدأ يكتب:
أسماء من فقدوا،
حكايات من هُدمت بيوتهم،
أمنيات من دفنوا أطفالهم،
وأصواتًا لم تعد تُسمع إلا في الذاكرة.

صار يسمع ولا يخيط، ويحكي ولا يوصف دواءً. وفي الليل، قال له الشيخ:
— الجرح في الذاكرة، في الكرامة، في اسم الوطن حين يُكتب بلا حبر. فمن يداوي هذا؟
أجاب الطبيب:
— من يسمع. من يشهد. من لا يمرّ مرور الكرام.

وفي الصباح، لم يشفَ أحدٌ تمامًا، لكنهم تنفّسوا قليلًا. لأن الطبيب فهم أن بعض الجروح لا تحتاج إلى مشرط، بل إلى قلبٍ لا يهرب. وكتب في دفتره مرة أخرى:
— قل للطبيب الذي جاء يسعفنا لا تهدر الوقت ليس الجرح في البدن.

✍️ د.محمد جركس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال