قرة العين و الروح /:د. محمد الجركس

قصة "قرة العين والروح" 

كان الحاج أبو خالد رجلاً شديد التمسك بعروبته، يرى في أبناء ابنه البكر "خالد" امتداداً حقيقياً لاسمه ومكانته. كان يفضلهما - رامي وسيف - على سائر الأحفاد، يعطيهما من العطايا أضعاف ما يعطي سامر وليلى (ابني ابنته الوحيدة)، ويقول في نفسه: "هؤلاء يحملون اسمي، وهؤلاء سيوارثون مجدي".

وهنا يكمن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الآباء: ظنُّهم أن الحب يُورث باللقب، وأن القربى تكون بالعظم لا بالروح. كان الحاج يظن أنه يزيد أولاده قوة، لكنه دون أن يشعر كان يزرع في قلوب سامر وليلى جراحاً صامتة، وفي قلوب رامي وسيف غروراً زائفاً، فالتمييز لا يبني بيوتاً، بل يهدمها من الداخل قبل أن تظهر شروخها.

في كل عيد، كان رامي وسيف يجلسان عن يمينه ويساره، بينما يقف سامر وليلى في الخلف، يلتقطان بقايا الاهتمام. كانت أمهما (ابنته) تغص بالألم لكنها تصمت احتراماً لوالدها، وكأنها تعلم أن الأيام كفيلة بكشف حقائق لا تخفيها العيون.

مرت السنون. كبر الأحفاد وتزوجوا.

وفي ليلة شتاء قارسة، أصيب الحاج بنوبة قلبية أفقدته القدرة على الحركة، وأصبح في أمس الحاجة إلى رعاية دائمة. اتصل بابنه خالد ليطلب منه إرسال رامي وسيف، لكن خالد اعتذر بأن أولاده مشغولون بأعمالهم وزوجاتهم، ووعد بإرسال "مساعد" مدفوع الأجر. وهنا تبيَّن أن المعيار الحقيقي ليس النسب ولا حمل اللقب، بل الفعل وقت المحنة؛ فالأسماء تتلاشى حين تسقط الأقنعة، ولا يبقى إلا الجوهر.

أما سامر وليلى، فلم ينتظرا اتصالاً، بل سبقا الجميع. تخلى سامر عن سفره، وليلى تركت أطفالها عند حماتها، وتفرغا بالكامل لرعاية الجد، فأحسنا خدمته وتناوبا على قضاء احتياجاته ليلاً ونهاراً، دون كلل أو ضجر. لم يسألا عن الميراث، ولم يتذكرا التمييز القديم، بل كان فعلهما هو البوصلة الوحيدة لحبهما، لأن البر الحقيقي لا يُقدَّر بميزان الدم، بل بميزان القلب.

ذات مساء، بينما كانت ليلى تُدلك قدميه المتورمتين، وسامر يقرأ له القرآن، بكى الحاج أبو خالد بصوت مرتفع. أمسك بيديهما وقال بصوت مبحوح:

"ويل لي.. كنت أظن أن العظم هو القرب، وأن اللقب هو الحب. نسيت أن أبناء الابنة يحملون دمي في عروقهم كما يحمله أبناء الابني، بل ربما أكثر، لأنهم ورثوا حناني دون أن يكبلهم وطؤؤ اسمي. رامي وسيف لم يجيئا إلا في المناسبات، أما أنتما فأتيتما في الشدة دون أن تطلبا مقاماً ولا مالاً."

تنهد بعمق وأكمل:

"الحفيد ابن الابن استمرارية للاسم، لكن الحفيد ابن البنت استمرارية للروح. الأولى تخدم الدنيا، والثانية تخدم القلوب. ليتني أيقظت حبي لكم قبل أن تأتي المحنة، فالرحمة لا تنتظر الأزمات، والحكيم من يبصر قبل أن تفقده عيناه. علمتموني اليوم أن التاج لا يصنع من العظام، بل من القلوب التي تفيض بالبر دون انتظار مقابل."

وهكذا، دخل الحاج أبو خالد إلى قلب الحقيقة متأخراً، لكنه لم يخرج منها خالي الوفاض؛ فقد أدرك أن أقرب الناس ليسوا من حملوا اسمه، بل من حملوا همَّه في يوم عُسره، وأن العدل بين الأحفاد ليس فضيلة، بل ضرورة للحفاظ على المودة التي تبقى بعد أن يغادر المرء هذه الدنيا.

✍️ د محمد الجركس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال