ثالوث الوعي ورميكانيكا الكم ( الجزء 6 ) / خالد عبد الصمد
ثــالـوث الــوعـي وميكـانيكـا الكـم (الجــزء 6):-
عـندمـا وجـه إدويـن هـابـل تلكســوب عمـلاق نحـو أعمـاق الســماء، (إدويـن هـابـل لعــب دورا محــوريا فـي تأسـيس مجـالي، عـلـم الفـلك خـارج المجــرة "درب التبــانة"، وعـلم الكونيــات الرصــدي)، لرصــد أضــواء المجــرات البعــيدة (ماضـي المجــرات القديمــة)، وتحليــل أطيــاف الضــوء المرصــود. المفــاجـأة وجـد هـابـل أن الخطــوط الطيفيـــة، للضــوء القـادم مـن المجـرات البعــيدة، ينــزاح بشــكل واضــح نحــو الطــرف الأحمـــر، مـن الطــيف الكهـرومغناطيســـي (ظـاهـرة فـيزيائيــة تســمي الانــزياح نحــو الأحمـــر). فـي عـلـم الضــوء والمـوجـات، عـندما يتحــرك مصــدر الضــوء مبتعــدا، فـأن مـوجـاتـه تتمــدد وتــزداد أطـوالهــا الموجيـــة متجهـــة نحـو اللـون الأحمـــر.
واكتشـــف هـابـل عـلاقـة رياضــية تنـص عـلي "كلمــا كانـــت المجــرة أبعــد عنـــا، وزادت ســرعة ابتعـــادها بوضـــوح، وتمــدد ضـــوئها، هـذه أشــارة تجريبيـــة أن الكـون ليـس ســـاكنا، بـل فـي حـالـة تمـــدد مســـتمرة وتـدفـق دائــم"، أليـس هـذا الدليــل التجــريبي دليـــل عـلي توســـع الخـلق بشــكل دائــم، وهـذا قـد يســاعد فـي حســن تـدبــر قـول الله ســبحانه وتعــالي (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. ســورة الـذاريـات 47).
ولمحـاولـة إرجــاع الـزمـن إلـي مـا قبــل 13.80 مليــار ســـنة (عمــر الكـون الافتــراضي)، يـدعـي الفــيزيائيـون أن الكـون كـان جســما مـاديــا، فـي حــيز صـــفري حقيــقي، أطــلق الفـيزيائيــون عـلي هـذا الكيــان الرياضــي، اسـم التفــرد أو نقطــة الكثــافة المطلقـــة. القوانيــن الفـيزيائيــة المعــروفة تفقــد قـدرتهــا عـلي التفســـير، بـل وتصــطدم مـع حـد رياضــي وفـيزيائي دقــيق وهـو جـدار بـلانـك (زمـن بـلانـك وهـو أقصــر وحـدة قـياس للـزمـن فـي الفــيزياء، ويقــد بحـوالي 10⁻⁴³ من الثانية، وهـو الوقــت الـذي يســتغرقه الفــوتـون "جســيم الضــوء"، ليقطــع مســافة تســاوي طـول بـلانـك فـي الفــراغ.
للأســـف الفــيزياء الحديثـــة تعتــمد عـلي عمــودين، العمــود الأول هـو النســبية العـامـة لألـبرت أينشــتاين، وهـي النظــرية التـي تحكـم العـالـم فــائق الضــخامة (المجــرات والنجــوم والكواكــب والأقمــار وحـركـة نســيج الزمكــان)، والجاذبيــة فـي النســبية العـامـة ليســـت قـوة خفيـــة، بـل هـي التعــبير الهندســي عـن انحنــاء نســيج الزمكــان.
العمـود الثــاني ميكـانيـكا الكــم، التـي تحكــم العــالـم فــائق الصـــغر (الـذرات والإلكــترونات والكـواركـات والجســيمات الأولــية بمختــلف أنـواعهــا ومســـمياتها). فـي ميكـانيـكا الكـم كـافـة الاحتمــالات واردة، وعـدم اليقيــن "الأشــياء فـي المســتوي الكمــومي لا تمتــلك مـواقـع محــددة، أو ســرعات ثابتـــة بـدقـة". فـي ميـكانيـكا الكـم ليـس هنــاك تـدفـق متصـــل، بـل كمـــات "حـزم منفصــلة" فـي نظــرية الحقــول الكمـوميـة. لفتــرة طويـلة مـن تـاريخ العـلم التجـريبي، لـم تحتــاج النســبية العـامـة لميكـانيـكا الكـم، والعكـس بالعكــس.
علمـاء الفـلك عـند دراســتهم لمجـرة درب التبــانة، لـم يـراعـي تأثــيرات الكـم، وعـندما يحســب علمـاء الـذرة طـاقـة الإلكــترون حـول النــواة، كتــلة الإلكــترون صـــغير جـدا، ولا تأثــير لهـا عـلي انحنــاء نســيج الزمكـــان، فيمكــن إهمـالهـا واعتبــارها صـــفر. وعـند الوصــول إلـي زمـن بــلانـك، نصــل عـنده أن الكثــافة مقــدارها مالانهــاية، والانحنــاء هـو الآخــر لا نهــائي (ما يسـمي قبــل الانفجــار العظــيم). وهـذا قـد يعــني تصــادم النســبية العـامـة (وصــف نســيج الزمكــان بكـونه أملـس)، ومقيــاس بـلانـك والتقلبـــات الكمـوميـة العنيــفة للجســيمات.
لهـذا وصــف جـون ويــلر هـذا التصــور الحـدثي باســم الرغـوة الكمــومية، وهـي ليســـت بنيـــة مرصــودة تجريبيـــا. مفهــوم التفــرد ليـس نقطــة مـاديـة فعليــــا تـم رصــدها "الفـيزياء والرياضــيات تعـلن إفلاســـها". لــذا فـي تقــديري أعتقـــد أننـا بحـاجـة إلـي نظــرية مـوحـدة، تجمـع بيــن هـندســة الزمكــان، والمجـالات الكمـوميـة للاقــتراب مـن الحقيقـــة لا التنبـــؤ.
ما يســمي بالأفــق الكــوني "أطــراف الكــون المــرئي"، عـندما يـوجـه علمــاء الفلــك مراصــدهم إلـي أطــراف الكــون المـرئي، فـي اتجاهــين متضــادين (180 درجــة)، يجــدون أن درجـة حــرارة الفضــاء، والخـواص الإشـــعاعية متطــابقة بـدقـة متنـــاهية، بالـرغـم أن المسـافة بيـن الطرفــين شــاسـعة للغــاية. النســبية الخاصــة تمثــل الحـد الأقصــي المطــلق لنقــل الإشــارات والمعــلومات (ســرعة الضــوء)، وهنــا الســؤال كيــف لمنطقــتين فـي الفضــاء لـم يتواصـــلا أبـدا، ولـم يتبــادلا الطــاقة أن تكــون حـرارتهمـا وتركيبــهـما واحــد؟.
لـذا طـرح آلان غــوث اقـــتراح التضــخم الكــوني ســنة 1981م، لتحديــث نمـوذج ما يســمي الانفجــار العظـيم (اعتبــار أن المــون مــر بتوســع ســـريع وأســي مضــاعفـا حجمــه بوقــت قصــير جــدا (بيــن 10⁻36 و 10⁻33 ثانيـــة) بعـــد الانفجــار العظيـــم. بعــد التوســع الســريع، بــرد الكـــون ثـم تحولــت طــاقـة الفـــراغ إلـى جســيمات ومــادة أعـــادت تســـخينه (كـــيف؟؟؟؟؟)). التســخين والتــبريد ثـم أعــادة التســخين بفعــل طـاقـة الفــراغ، مجــرد وهــم وخيـــال علمـــي (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. ســورة النحــل)، فهنــاك الكــثير والكــثير مـن الخــلق لا عـلـم لنــا بـه (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. ســورة الأسـراء 85)، عـالـم الأمــر فـوق حــدود العقـــل البشــري القاصـــر والمحــدود.
تخيـــل أن مـا قبـــل ما يسـمي بالانفجــار العظــيم، كـان هنــاك حقــل قيـاســي افــتراضي، أطـلق عليـه حقــل الانفــلاتون (حقــل الانفـلاتون الزمـــن حــدث (بيــن 10⁻35 و 10⁻34 ثانيـــة) مـن عمــر الكـــون)، كـان مجــال التضــخم عـالـق فـي حـالـة خاصــة تســمي الفــراغ الزائـــف، وهـي حـالـة شـــاذة، كثــافة الطــاقـة هـائـلة ومقيــدة داخـل النســيج، ومصــحوبة بضــغط ســالب خــارق (فـي النســبية العـامـة ليســـت الكتــلة وحـدهـا تـولـد الجاذبيـــة، بـل الضــغط أيضــا يـولـد الجاذبيــة أيضـــا "الضــغط الســالب الهـائـل"). الضــغط الســالب هـو دفـع وتنــافر مضــاد للجاذبيــة المـألـوفـة، وهـذه القــوة "الضــغط الســالب" تـدفـع نســيج الفضــاء إلـي التمـدد والانتفـــاخ، بمعـدلات تتضــاعف أســـيا فـي جـزء متنــاهي الصــغر مـن الـزمـن، ومـن المـؤكـد أن هـذا التمــدد تجــاوز ســرعة الضــوء القصــوي، وكـان المــبرر العلمــي الـواهـي، أن هـذا لا ينتهـــك النســبية الخاصــة "الطـاقة والأشــارات والمعـلومـات ســرعتها القصــوي ســرعة الضــوء"، أمـا فـي حـالـة التضــخم الكـوني كـان نســـيج الفضـــاء هـو الـذي يتمــدد ويتضــاعف.
مـن الجـائـز أن قوانيــن الفــيزياء قـد تعكـس حـركـة الأشــياء داخــل النسـيج الكـوني، لكـن لا تفــرض حـدود قصــوي لتمــدد النســيج الكــوني.
حســن تـدبـر الآيــات التاليـــة فيـه الأجـابـة القاطعـــة والمنطقيـــة، لحــركة الأكــوان والأفــلاك التـي خلقهـــا، للكــل أجـل مســمي.
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ. ســورة الـرعـد 2.
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ. سـورة فـاطـر 13.
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. سـورة الـزمـر 5.
أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.
خــالــد عــبد الصـــــمد.
تعليقات
إرسال تعليق