وطن يأكل رماده ليبقى / علي عمر
وَطَنٌ يَأْكُلُ رَمَادَهُ لِيَبْقَى
يا موطني
اقتلعوا السماءَ من صدور أبنائك
وأطبقوا الخوفَ على جماجمهم
ثم سألوا لماذا لا تُغنّون؟
منذ ذلك الحين
والطيورُ تمشي على الأرض
كأنّها نسيت أجنحتها
والأمّهاتُ يُرضعن أطفالهنّ
حليبًا بطعم الغائبين
أمّا الأرض فكلّما وارَت قتيلًا
أنبتت من ترابها شاهدًا
وكلّما همَّ الربيعُ بالخروج
أجهضه الشتاء بوجهٍ من وجوه أبنائها
ومع ذلك في قلب الرماد
تشقّ سنبلةٌ عمياء شقَّها نحو الضوء
لا تعرف أسماء الطغاة
ولا لماذا تُساق القلوب إلى أفواه المدافع.
وكلّما خمدت البنادق
نهض من الركام نعشٌ جديد
وصوتٌ يبحث عمّن يحمله
وفي صدر أمٍّ
وارَت أبناءها واحدًا تلو الآخر
تنهض حمامةٌ من رماد
وتفتح جناحيها فوق حطام السماء.
يا موطني لعلّ النجاة
أن نخرج من الحريق
ولا نحمل النار في أيدينا
أن نمحو وجه الجلّاد عن الجدار
قبل أن يرثه أبناؤنا.
أن ندفن موتانا ونترك للذاكرة عينًا
لا تتعلّم العمى وللألم قلبًا
لا يتعلّم الكراهية.
أخشى عليك
أن يستيقظ الجلّاد في صدور أبنائك
وأن يورّثوا أحفادهم سكّينه
ثم يكسوها اسمًا مقدّسًا
كي لا يتعرّف أحدٌ إلى وجه الجريمة.
عندها لن يحتاج الخراب إلى حجارة
ستبنيه القلوب حجرًا فوق حجر
حتى يغدو البيتُ قبرًا
ويغدو القبرُ وطنًا لا يتّسع للأحياء.
فانهض يا موطني
لا كمنتصرٍ يرفع رؤوس أعدائه
بل كإنسانٍ يفتح يديه بعد طول اقتتال
فلا يجد فيهما
ما يستحقّ أن يُلقى على أحد.
ازرع ما تبقّى من قلبك
لا كي يعود القتيل
بل كي لا يعود
في هيئة قاتل.
علي عمر
تعليقات
إرسال تعليق