الغفلة /عبد القادر تلجبيني

 الغفلة:

الغفلة تعني لغة واصطلاحًا سهو القلب وانصرافه عن تذكر الشيء أو إهماله. والمصدر: من الفعل (غَفَلَ)، ويُقصد بها السذاجة، وقلة الفطنة، وعدم التمييز، أو ترك الشيء والسهو عنه.

• عند اللغويين: عرفها الراغب الأصفهاني بأنها "سَهْوٌ يعتري الإنسان من قلّة التّحفّظ والتّيقّظ".

وأخطرها وأشدها ظلما  للنفس  وخسرانا هي الغفلة عن ذكر الله 

قال تعالى (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)


لم تزل  أمواج البحر  تداعب  شطآنه الواسعة  وتطفو على  رماله  الراقدة   بسكينة  على ضفافه  وبكل رقة ووداد  وهي بين

 مد وجزر ولم يزل صدى صوت ارتطام الأمواج  بالشاطئ وبصخوره القاسية له صدى  تسبيح وحمد   حتى أنك   لتحس من خلال  صوتها الهادر  بالهيبة  والوقار   ومع ذلك كله فإنها  لم تغفل عن ذكر الله وتسبيحه  سبحانه وتعالى   

وما زالت  النحلات بأزيز وطنين صوتهن  يسبحن الخالق سبحانه  وهن يداعبن أزهارًا  ألفن عناقها  بكل  شوق  وعشق وحنان وتحط فوقها لتأخذ منها وبكل رفق وحياء رحيقها  وغبار طلعها   وتبقى الورود مستسلمة تغمرها  السكينة  وهي غارقة في  سماع صوت  أزيزها  وطنينها   العذب وكانها قصيدة عشق  وهي في  تسبيحها  (كل قد علم صلاته وتسبيحه) ودون غفلة أو تقاعس عن مهامها   التي كلفت بها  من خالقها حيث قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى :(والنجم والشجر يسجدان )

وقال تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم )

وقال تعالى :(وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم)

 حتى الحصى  في قاع البحر  أسمع الله أصوات  تسبيحها لنبينا يونس  وهوفي بطن الحوت وهو  مليم   لم تغفل ساعة أو تنسى تسبيحها  حينها ناجى نبينا يونس  ربه وبكل انكسار وتضرع وخشوع حيث  قال تعالى :

﴿ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي المؤمنين) 

الغفلة من أخطر الأمراض العضال  على حياة  الإنسان فهي تعتبر  كالسم القاتل لأنها ظلم للنفس   وتهلكة وضياع للوقت  حينما يغويك الشيطان بالملذات واللهو  فيقسو قلبك وتبتعد عن ذكر الله وعبادته ويغويك فلا تستطيع أن تفرق بين الحلال والحرام ليستحوذ عليك  ويسوقك للنار  باتباع خطواته فعن طريق الغفلة يأتي الخطر وينهار  كل مابنيناه من أسس أخلاقية  ومعاملات ويضيع منا كل شيء   ففي دائرة عملك أو في معملك  إن غفلت عن عملك المكلف به أو تناسيته وأهملته متعمدا الإخلال في واجبك  فقد يتسبب لك ذلك بدمار  أو حريق  لا يحمد عقباه أو تناسيت  بغفلتك أن الله يراقبك ولم تدخل في حساباتك مخافة الله وأكلت وتجاهلت  حقوق الناس وتناسيت أنك ستحاسب على  الرشاوي  وأكل مال الحرام وأغرتك  الدنيا بفتنتها  بعد ما  أغواك الشيطان وفتنك كما فتن أبويك وأخرجهما من الجنة  ومما كانا فيه من النعيم  فيها  إن غفلت عن قيام ليلة القدر وأغواك الشيطان خسرت قيام ألف شهر وكذلك يوم عرفة  وكذلك صلاتك وصيامك وزكاتك 

النجاة  والفوز  من حبائل الشيطان  هو ذكر الله حيث يشعرك بالاطمئنان والراحة النفسية والسعادة والرضا ويفتح لك أبواب الرزق الحلال  والفضل والنعمة من الله فالحياة قصيرة 

ولا تدري متى يأخذ الله أمانته عندها  تبصر ماكنت تحيد عنه وهو الحق قال تعالى : ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

 سيأتيك يوم وأنت غافل تظن نفسك بمأمن عن أنظار الناس  وتمكر  وتسرق وتغش  لأنك نسيت حساب  الله  بغفلتك وتغافلت عما أمرك الله به لكن الله يراقبك (ويمكرون ويمكر الله والله  خير الماكرين)  قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

  تذكر أن الله يراك  في كل حركاتك  والظالم لايمهله الله تعالى  في الدنيا حتى  يحاسبه حسابا عسيرا  عندها لا تنفع الشفاعة 

قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» 

الغفلة  من الشيطان لأنها تنسيك واجباتك وجوهر عملك لأنها إهمال وتقصير  في عملك وفي  تربية أولادك وبناتك وأهل بيتك  ومتابعتهم وإرشادهم للطريق الصحيح والصراط المستقيم وغفلتك عن كل هذه الأمور   مصيبة كبرى في زمن كثرت فيه الفتن والمغريات و يجب الخوف من اختلاطهم بأهل السوء  خوفا من الانحراف و لاتترك الحبل على الغارب  إعقلها وتوكل

و تابع أولادك أدخل إلى قلوبهم السكينة ولا تنفرهم وعاملهم  بحكمة وود  وحرص  ..تحر عن أصدقائهم  وعن سبب غيابهم عن المنزل المتكرر دون مبرر هبهم الثقة   مع عدم التشكيك بتصرفاتهم ليستأنسوا بآرائك وتوجيهاتك   (ولوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك )

الغفلة عن  حب الوطن والدفاع عنه   والوقوف ضد  تحريك الفتن خيانة  والتشكيك ورمي الناس بالتهم الباطلة  دون بينة  جريمة وفتنة وعصيان وإخلال وزعزعة للأمن (إن الحكم إلا لله )  

 والحذر يستوجب الحيطة من غدر الأعداء وما يخططون في ساعات  الغفلة  وحالات الضعف  فلقد حاولوا الكيد  للرسول صلوات الله عليه وللمسلمين أثناء صلاتهم في المعركة  لطعنهم

في ظهورهم   لكن الله أنزل جبريل عليه السلام في حينها

 فال  تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً )

الغفلة من الشيطان  وهي نسيان أوامر الله والابتعاد عن طريق

الاستقامة  والجحود  والغفلة عن قصص الأمم السابقين 

غرق فرعون وجنوده  غرق قوم نوح  ونجاته ومن آمن معه بالسفينة ( فأما  ثمود فأهلكوا بالطاغية  وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية) والطاغية هي الصيحة العظيمة   وقارون خسف الله  به الأرض والنمرود أهلك ببعوضة دخلت في أنفه حتى استقرت في دماغه فقتلته بعد عذاب أليم 

 يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى عليه: حدثنا عبد الرحمن بن جُبَيْر عن أبيه قال:" لما فتحت قبرص، فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله ؟! فقال: ويحك يا جبير - ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره".

اللهم لا تجعلنا عن ذكرك وطاعتك و عبادتك من الغافلين 

اللهم لاتدعنا في غمرة ولا تأخذنا على  غرة 

قال تعالى﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾


صدق الله العظيم 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

وسلم تسليما كثيرا وجمعة مباركة أتمناها لكم 


إعداد الزميل عبد القادر تلجبيني


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال