همس الطاولة الأخيرة / د. محمد الجركس
همس الطاولة الأخيرة
==============
يا صاحبي، لو تأمّلت هذه الجلسة قليلاً، لوجدت أن الناس لا يتوقفون عن الكلام، وأن الآراء تتقاطع، والأصوات تعلو، ثم يبقى القلب وحده هو من يقرر: هل يدخل المعركة، أم يشرب شايه بهدوء ويمضي؟
يقولون: «حكي الناس ما بيخلص». نعم، لأن ألسنة الخلق لا تنتهي، وآراءهم تتغير، وأحكامهم كثيراً ما تُبنى على ظنٍّ أو عادةٍ أو مزاج. من جعل نفسه أسيراً لكل كلمة، أتعب قلبه، وأضاع عمره، وخسر سلامه الداخلي. ليس مطلوباً منك أن ترد على كل من خالفك، ولا أن تشرح نفسك لكل من أساء الظن بك. بعض الناس لا يريدون الحقيقة، بل يريدون فقط أن يسمعوا صدى أصواتهم. فإذا دخلت معهم في كل معركة، خرجت منهكاً وإن كنت على حق.
أن تهزّ برأسك وتقول: «معك حق» ليست دعوة إلى النفاق، ولا إلى التنازل عن المبادئ، بل هي ذكاءٌ في التعامل، وحفظٌ للطاقة، واحترامٌ للوقت. أن تؤمن بما تراه صواباً، ثم تترك للآخرين مساحةً ليقولوا ما يشاؤون. أن تكون قوياً دون صراخ، واثقاً دون غرور، هادئاً دون انكسار. أن تعرف أن الحق لا يحتاج إلى ضجيج، وأن القلب الكبير يستطيع أن يحمل كثيراً من الاختلاف دون أن ينفطر.
واسع الأفق يا صاحبي: الحياة أوسع من رأي واحد، والناس تجاربٌ وخلفياتٌ وظروفٌ. ربما لو جلست مكان الآخر لحظة، لفهمت لماذا قال ما قال. لا يعني ذلك أن توافقه، لكنه يعني أن ترتفع فوق الصغائر، وأن تختار المعارك التي تستحق. فليس كل خلاف عداوة، وليس كل صمت هزيمة، وليس كل ابتسامة موافقة. أحياناً تكون الإيماءة أبلغ من خطبة، والكلمة الطيبة أقوى من ألف حجة.
تعلّم أن تقول «معك حق» وأنت واثق من نفسك، لا خائفاً ولا متردداً. قلْها لتحفظ وداً، أو لتنهي جدلاً، أو لتمنح قلبك راحة. ثم امضِ في طريقك، واضحاً، كريماً، محباً. اجعل لك أذناً تسمع، وقلباً يغفر، ولساناً يذكر الله، وعقلاً يعرف متى يتوقف. فالناس سيتكلمون على كل حال: إن صمتت قالوا جبان، وإن تكلمت قالوا ثرثار، وإن أحسنت قالوا يريد شيئاً، وإن أسأت قالوا هكذا هم. فلا تجعل حياتك وقفاً على ألسنة الناس، بل اجعلها وقفاً على ما يرضي الله، وما يطمئن إليه قلبك.
وفي النهاية، تذكّر: أنت لست مسؤولاً عن كل ما يقوله الناس، لكنك مسؤول عن أخلاقك، وردّ فعلك، ونقاء قلبك. فإذا اشتد الضجيج، اهدأ. وإذا كثر الجدل، ابتسم. وإذا لم تجد في الكلام فائدة، فهز برأسك، وقل بقلبٍ كبير: «معك حق»، ثم انصرف إلى ما يهمك. فهذه ليست هزيمة، بل انتصارٌ على الفوضى، وحفاظٌ على أجمل ما فيك.
✍️ د محمد الجركس
تعليقات
إرسال تعليق