ما لانغادره /علي عمر
ما لا نغادره
أمّي...
ربما أخطأنا حين سمّينا الابتعادَ سفرًا
فالسفرُ أن تتركَ مكانًا خلفك
أما بعضُ الأمكنة
فتنتقلُ معك
وتعيد ترتيبَ العالم في داخلك
كلّما ظننتَ أنك نجوتَ منها
حين كنتُ قريبًا منكِ
لم أكن أعرفُ أنّ الطمأنينة
يمكن أن تكون شيئًا غير مرئي
ولا أنّ الإنسان قد يعيشُ داخلَ معنى
دون أن يعرفَ اسمه
عرفتُ ذلك بعدكِ
اكتشفتُ أنني لا أفتقدُ امرأةً غائبة
بل أفتقدُ الطريقةَ التي كان العالمُ
يبدو بها حين كنتِ فيه
منذ ذلك الوقت
صار الغيابُ سؤالًا لا مكانًا
ماذا يبقى من الإنسان
حين يبتعدُ عن الأصل
الذي لم يكن يعرفُ أنه أصلُه؟
ربما يبقى صوته
عاداته
طريقةُ خوفه
وذلك الميلُ الغامض
إلى أن يربّتَ على كتفِ متعب
كما لو أنّ يدًا قديمة
ما زالت تتحرّك فيه
عندها فهمتُ شيئًا متأخرًا
أنّ الأم لا تُورّث أبناءها الحياة فقط
تترك فيهم معيارًا خفيًّا
لما ينبغي أن تكون عليه الحياة
ولهذا
كلّما قست الدنيا
لم أكن أبحثُ عنكِ أنتِ
بل عن العالم الذي علّمتِني، دون قصد
أن أصدّقه.
وربما لهذا أيضًا
لا تكون العودةُ إليكِ عودةً
فالذي يعودُ إلى أمّه
لا يعودُ إلى مكان
يعودُ إلى النسخة الأولى من نفسه
إلى اللحظة التي لم يكن فيها
مضطرًا لأن يثبتَ للعالم
أنّه قادرٌ على الوقوف.
الآن أعرف
بعضُ البشر نعبرهم
وبعضهم يعبروننا
أما الأمّ
فهي الاستثناء الغريب
لا نعبرها
ولا تعبرنا
نحن فقط
نمضي بعيدًا بما يكفي
لكي نكتشف
أنّها كانت في الجهة الأخرى منّا
طوال الوقت
ولهذا
كلّما وصلتُ إلى نفسي
بعد طريقٍ طويل
وجدتُكِ هناك.
لا في ذاكرتي...
بل في الشيء الذي بقيَ منّي
حين سقطَ كلُّ شيءٍ آخر.
علي عمر
تعليقات
إرسال تعليق