حقيبة وقلب صغير /محمد الجركس
حقيبةٌ وقلبٌ صغير
لم أكن أعلم أن الحب يمكن أن يسكن قلب طفلٍ في الصف الرابع الابتدائي. كنّا نجهل المصطلحات، نجهل أن ما نشعر به له اسمٌ في القواميس، له فلاسفةٌ يكتبون عنه، وله شعراءٌ يذرفون الدموع من أجله. كنّا نسمّيه حينها “إنّي أحبّ الجلوس بجانبها”، أو “أشعر بشيء غريب عندما تبتسم”، أو “لماذا قلبي يدقّ بسرعة عندما تناديني المعلمة واسمي بجانب اسمها؟”. لم نكن نعلم أن هذا اسمه “عشق”، وأن العشق سيكلّفني لاحقًا حقيبة مدرسية، وطرق باب غرباء، ومشيةً بطوليةً في شوارع الحي، وربما شيئًا من السمعة التي لم أطلبها.
في ذلك الزمن الغابر، حيث كانت الحياة أبسط، وكانت أقصى درجات الرومانسية أن أرمي عليها قلمًا لتلتقطه، كانت هي في صفّي. لا أذكر بالضبط متى بدأ الأمر، لكنني أذكر أنه بدأ. كانت تجلس في الصف الثالث، قرب النافذة التي تطلّ على ساحة المدرسة. كانت تضحك بصوتٍ يشبه رنين جرس الاستراحة، وأنا كنت أجلس في الصف الرابع خلفها، أراقبها كما يراقب عالم فلكٍ نجمًا جديدًا. كنت أُحبّها ببراءة لم تتلوث بعد بمعرفة أن الحب يمكن أن يُخدش.
كنت أتقرب منها بطرقٍ غبية. أتجنّب درس الرياضة لأجلس على المقعد القريب من ملعبهم لأراقبها. كنت أتظاهر بأنني أبحث عن كرة ضائعة لأمرّ بجانبها. كنت أتعمّد أن أنسى قلمي أو كتابي في الصف لأعود وأمرّ من أمام باب صفّها. وذات مرة، وأنا واقف في طابور الصباح، تقدمتُ خطوةً لتعديل وقفتي، فلمحتُ وجهها يبتسم لي من بعيد. لا أعلم إن كانت ابتسامة عابرة، لكنني تأكدت يومها أنني رجلٌ مسؤول، وأن عليّ أن أتصرّف كرجلٍ يحمل مسؤولية قلبٍ معلّق.
ثم جاء ذلك اليوم المشؤوم السعيد. درس الرياضة كان في آخر الدوام. كنا نلعب، والقاعة الرياضية كانت تُشبه ساحة معركة من العرق والصراخ، والمعلمات يصرخن “لا تركضوا!” ونحن نركض كأننا في أولمبياد. وبعد أن انتهى الدرس، انصرفت الطالبات، وخرجت هي معهنّ. لكنها نسيت حقيبتها. كانت حقيبة وردية، صغيرة، عليها رسوم شخصيات كرتونية. رأيتها هناك، منسيّةً، كأنها تنتظرني. لم أفكّر كثيرًا. حملتُها. حملتُ حقيبتها الوردية بكلتا يدي، وشعرتُ أنني أحمل أمانةً ثقيلة، ليس لأنها ثقيلة، بل لأنها حقيبتها.
وهنا تبدأ الملحمة. غادرتُ المدرسة، وبدلًا من أن أعود إلى بيتنا، سلكتُ الطريق الذي كنت أعرفه إلى بيتها. لا، لم أكن أعرف رقم منزلها، لكنني كنت أعرف الحي. كنت أعرف أنهم يسكنون قريبًا من بقالة “أبو سامي”. سألتُ، وبحثتُ، وسِرتُ كأنني في مهمةٍ سرية. وفي النهاية، وجدت البيت. طرقتُ الباب. طرقاتٌ خجولة، كأنها طرقات قلبٍ صغير يخشى أن يُسمع. فتحت الباب امرأة، ربما كانت أمّها أو أختها الكبرى. نظرت إليّ كأنني كائنٌ فضائي. سلّمتُ الحقيبة وقلتُ بكل براءة: “هذه حقيبة ابنتكم… نسيتها في المدرسة”. أخذتها، وشكرتني، وأغلقت الباب.
لم أرها في تلك اللحظة. لم أسمع صوتها. لم أقل لها “أحبك”، ولم أجرؤ حتى على النظر إلى النافذة. لكنني عدتُ إلى البيت مرفوع الرأس، كأنني أنجزتُ فتحًا عظيمًا. أنا، الطفل ذو العشر سنوات، حملتُ حقيبةَ حبيبتي إلى بيتها. يا سلام على هذا الحب!
لكن، وهنا تكمن الكوميديا السوداء، لم تكن تعلم أنني أحبها. ولا أحد كان يعلم. ولا حتى أنا كنت أعلم أن ما أفعله هو حب. كنت أظن أنني أؤدي واجبًا مدرسيًا. كنت أظن أنني أساعد زميلة. لكن قلبي كان يعرف. قلبي كان يهمس: “أنت تفعل هذا لأنك تحبها”. وكنت أصرخ في وجه قلبي: “اسكت! نحن في المدرسة، والواجبات المدرسية مقدّسة، والحب ممنوع في الفسحة”.
مرّت الأيام. ولم يحدث شيء. لم تقل لي شيئًا، ولم أجرؤ على الكلام. بقيتُ أراقبها من بعيد، وأبتسم لها في الطابور، وأتمنى لو أنني أملك الجرأة لأخبرها. لكنني كنت خائفًا. خائفًا من أن تُخبر المعلمة، أو أن تُخبر أمّها، أو أن يضحك عليّ الأولاد. خائفًا من أن أُطرد من مملكة الحب قبل أن أتعلّم حتى قراءة نشيده الأول.
وهكذا، انتهت المرحلة الابتدائية. ولم أُخبر أحدًا. حملتُ هذا السرّ معي إلى الإعدادية، ثم إلى الثانوية، ثم إلى الجامعة، ثم إلى الحياة. وكلما تذكرتُ ذلك اليوم، أشعر بشيء من الحنين، وبشيء من الحزن، وبشيء من الضحك. لأنني أدرك الآن أنني كنت أحبّها بصدق، لكن الحب في ذلك العمر لا يحتاج إلى اعتراف، ولا إلى حبيبين، ولا إلى نهاية سعيدة. يكفيه أن يكون. يكفيه أن يحمل طفلًا صغيرًا في يومٍ من أيام الربيع، ويجعله يسير في شوارع الحي، ويطرق بابًا غريبًا، ويسلّم حقيبةً وردية، ويعود إلى بيته ملكًا متوّجًا على عرشٍ من الوهم.
نعم، يا سادة، كان حبًا. حبًا من طرف واحد. لكنه كان حبًا. وما زلت أذكره بكل تفاصيله. وما زلت أعتبره أول عشقٍ في حياتي.
✍️ د محمد الجركس
تعليقات
إرسال تعليق