مخاض قلمي /ابو بدر

 مخاض قلمي

***********

ليس القلمُ عودًا من خشب، ولا الحبرُ سوادًا يسيل على ورق. القلمُ رحمٌ من ضوء، والحبرُ دمُ الروح إذا تعتّقت بالفكر. وحين يجيء المخاض، لا أكون أنا من يكتب فقط؛ بل أكون واقفًا على عتبة المعنى، أدفع عني ثقل الصمت، وألد الكلمة بعد زفرة، وأمسح عن جبينها عرق التكوين. كل نصٍّ لي طفلٌ جاء بعد طلقٍ من الوجد، وصرخةٍ من الحقيقة، ورضاعةٍ من الحلم.


أحبك يا قلمي، لأنك لا تخونني حين تعيي الكلمات؛ تسندني إذا انكسر الظل، وتهمس لي: اكتب، فالمعنى لا يموت. أحبك لأنك تعرف أن الكتابة ليست ترفًا، بل ضرورة كالماء والهواء؛ من لا يكتب يختنق بما لم يقل. وأنت، يا قلمي، ترى ما لا تراه العيون: ترى في دمعةٍ بحرًا، وفي صمتٍ ملحمة، وفي رغيف خبزٍ قصةَ وطنٍ كامل.


لكن مخاضك ليس هينًا. إنه طلقٌ طويل، وقلقٌ مقدس، ومحاولاتٌ تُولد ميتةً قبل أن تولد الكلمة الحية. أقاوم، أُعيد، أهدم، أبني، أُصقل الحرف حتى يلمع كجوهرة، وأُقوّس الجملة حتى تصير قوس قزح. لا أرضى بالكلام المبتذل، ولا بالمعنى المستعار. أريد نصوصًا تنبت في الروح، وتُثمر في العقول، وتُظلّل الناس بظلّها الوارف.


أكتب بحبٍ، لأن الحب هو أول القوانين وآخر الحكايات. وأكتب بإتقانٍ، لأن الإتقان احترامٌ للقارئ، ووفاءٌ للكلمة، وأمانةٌ أمام الله والتاريخ. وأكتب بأفقٍ واسع، لأن القلم لا يسكن زاويةً واحدة؛ إنه يعبر القارات، ويصافح الوجوه، ويدخل البيوت، ويجلس على موائد الفقراء والأغنياء، ويحمل همّ الإنسان حيث كان. القلم الواسع لا يكتب عن نفسه فقط، بل يكتب عن الجرح الجماعي، وعن الأمل الجماعي، وعن الفجر القادم بعد ليل طويل.


في مخاض قلمي، تتشابك الأصوات: صوت الأم، صوت الأرض، صوت الطفولة، صوت الحقول، صوت المدن المثقلة، صوت الذين لا صوت لهم. أكتب لأمنحهم لسانًا، وأمنح الصمت معنى، وأمنح الحكاية عمرًا جديدًا. أكتب لأنني أؤمن أن الكلمة الطيبة قادرة أن تفتح نافذة في جدار مسدود، وأن تُضيء شمعة في عاصفة، وأن تزرع وردة في قلب حجري.


وإذا سألتم عني، فأنا رجلٌ يقف على باب اللغة، يحمل قلمًا أنهكه المخاض، لكنه ما زال يحب. يحب الورق، ويحب الضوء، ويحب الناس، ويحب أن يترك في هذا العالم أثرًا يشبه النخيل: جذورٌ ثابتة، وظلٌّ كريم، وثمرٌ لا ينقطع.


هذا هو مخاض قلمي: ألمٌ يلد جمالًا، وصمتٌ يلد أغنية، وفناءٌ صغير يلد خلودًا. فاقرؤوا ما أكتب على أنه نبضٌ لا ادعاء، وصدقٌ لا زخرفة، وحبٌ لا ينتهي.


✍️ د محمد الجركس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال