ثالوث الوعي .ج4/خالد عبد الصمد

 ثــالـوث الــوعـي وميكـانيكـا الكـم (الجــزء 4):-

فـي الجـزء الســابق كـان الحديـــث عـن الحـدود الفــيزيائيــة الثــلاثـة، وهـي ســرعة انتقـــال الســببية القصــوي (ســرعة الضــوء)، وطـول بـلانـك (مقيــاس مكــاني)، ووحـدة الصــفر الحــراري. وهـذه الحـدود تعـني أن الخصـائص للخــلق ليســت عشــوائيةأو فوضــوية، ظهــرت فجــأة فـي طـبيعة غــير منظمــة (مـا يطـلق عليـه الانفجـار العظـيم)، وكمـا يـدعـي البعـض الآخــر الصــدفة. بـل تعكـس تلـك الحــدود قيــود هندســية دقيقـــة ومدروســـة، تمنــع اســتهلاك الطـاقة، وتضــبط معـالجـة المعــلومات بـدقـة متنـاهية، فهنــاك الحـدود الحاكمــة التـي تمنــع انهيــار الكــون. ويســعي الهلمـاء عـن كيفيــة توحـيد جميــع القـوي الأسـاسـية، فـي إِطَــار رياضــي واحـد متكـامل، لـذا هـذا المســـعي قــاد الباحــثين إلـي تطــوير نظــرية الأوتــار الفائقـــة، ومفهــوم التنـاظـر الفــائق. مفهــوم التنــاظر الفــائق هـو نمــاذج تفتــرض أم الجســيمات الأوليــة ليســـت نقــاط هندســية مصــمتة، بـل هــي أوتــار طاقيــة مهــتزة متنــاهية الصـــغر، فـي أبعــاد مكـانيـة متعــددة. وفـي رحـلة البحــث فـي هـذه المعــادلات المعقــدة، التـي تصــف ســـلوك الأوتــار والجســيمات فـي أعمـق مســتويات الـوجـود. وفـي ظـل عـدم اليقيــن ظهــر كشــف علمـي أثــار دهشــة الأوســاط الأكاديميــة، وكـان بـابـا للـربط بيـن الفـيزياء الكلاســيكية وعـلم الحاســوب ونظــرية المعـلومـات، وكـان عـلي رأس رواد البحــث عـالـم الفـيزيـاء النظــرية، ســلفســتر جيمـس جيتـس بالتعـاون مـع فريقـــه. وكـان الفـريق يـدرس الـرمـوز والرسـوم البيـانيـة الهندســية، المعـروفة بأسـم الادينــكر "أدوات رياضـية بصــرية ابتكــرت لتبســيط المعـادلات الجــبرية للتنــاظر الفــائق، والتـي تـربط بيـن جســيمات المــادة، مـثل الكــواركـات والإلكــترونات، وجســيمات القــوة، مثــل الفـوتـونـات والغــلونـات. وهـذه المخططــات الهندســية تتـرجـم العمليــات الرياضــية المعقــدة، فـي الزمكـــان متعـــدد الأبعـــاد، إلـي شـــبكات مـن النقــاط والخطــوط ذات الاتجـاهـات المحــددة. وبالبحــث والدراســـة لاحـظ الفــريق أن الـروابط الرياضــية، ليســت مجــرد عـلاقـات هندســـية أو تجــريدات فــيزيائيــة، بـل تحــتوي فـي بنيتهـــا الأسـاســية عـلي تسـلسـلات ثنائيـــة وخوارزميـــات تطــابق أكـواد رياضــية، طـورهـا علمــاء الأتصــالات والحواســيب فـي القــرن العشــرين (ما يعــرف بعـلوم البرمجـة بشــيفرات تصـحيح الأخطــاء الخطيــة، ومصــفوفات شــانون لتصــحيح الأخطــاء الرقمــية، وأبتكــار "أكتشــاف" عـالـم الرياضــيات كـلاود شـــان، وخــبراء الأتصــالات مـا يعـرف بأســم، خوارزميـــات وأكـواد تصــحيح الأخطــاء وهـي ذاتيــة العمــل. المفــاجأة التـي واجههـــا علمـاء الفــيزياء، المعــادلات التـي تحكـم الجســيمات الأوليــة، والتنـاظر الفــائق فـي الكــون، تحتــوي فـي جـوهـرها عـلي نفـس الشــيفرات والخوارزميــات التصــحيحية تمـامـا.

الرياضــيات المكتشــفة داخــل الادينــكر، تطـابق رياضــيا تسـلسـلات برمجيــة مخصصــة لاكتشــاف وتصـحيح انحــراف البيــانات، وهـي مدمجــة فـي عمــق القوانيــن التـي تصــف تفـاعـل الأوتــار الفائقـــة، ونقــل الطـاقـة بيـن أبعــاد الكــون.

وهنــا تظهــر التســاؤلات العلميــة والمنطقيــة، لمـاذا تحتــاج قوانيــن الفـيزياء الأسـاسـية إلـي خوارزميـــات لتصـحيح الأخطــاء؟. وهـذا أنهــيار لفكــرة أن الكــون نظــام مـادي بحــت، نشـــأ وتطــور بطريقـــة عشــوائية، دون آي بنيـــة معـلوماتيـة مســبقة. القوانيــن الحاكمــة للكــون للكــون تحتــوي عـلي آليــات رياضــية مصــممة بدقـة متنــاهية، لمراقبـــة البيــانات وحمـايتهـا مـن التلــف والاضــطراب والانهــيار، أثنــاء تفــاعلات الطـاقـة والمـادة.

ســتيفن هوكــينج أثبــت حســابيا أن الثقــوب الســوداء ليســت مصــمتة تمـامـا، ولا تبتــلع المـادة إلـي الأبــد، بـل تصــدر أشــعاعا حــراريا خافتـــا، وبطيئــــا للغــايـة ناتجـــا عـن تفــاعلات كميـــه بالقــرب مـن أفـق الحــدث، وهـو ما يعــرف اليــوم بأســم شــعاع هوكــينج. المعــلومات والأجســام التـي ابتلعهــــا الثقــب الأســود، بهـذا الأشــعاع تعــاد إلـي الكــون بطريقـــة مجهــولة. ما ســبق يعــني تنــاقض علمـي بيـن النســبية وميكـانيـكا الكــم، ممـا أســـتدعي تـدخـل فكــري مـن كبــار علمــاء الفــيزياء، وقـاد هـذه الجهــود ليـونارد ســاســكن، وجـاكـوب بيكنشـــتاين، وخـوان مـارتن مـالـداســـينا، هـذا الفـريق لـم ينقــذ قـانـون حفــظ البيــانات فحســـب، بـل فتــح آفـاقـا جـديـدة حـول طــبيعة الـواقـع، فقـد اكتشــف الباحثــون أن المعـلومـات الخاصــة بـآي مـادة أو طـاقـة، لا تســقط فـي الثقـــب الأســود لتمحـــي، بــل اشـــفر وتخــزن بالكـامـل عـلي الســطح الخــارجي ثنــائي الأبعــاد للثقــب الأســود (مســاحة أفـق الحــدث)، وعــندما يتبخـــر الثقـــب الأســود عـبر أشــعاع هوكــينج، تطــبع تلـك البيــانات المشـــفرة عـلي الجســيمات المنبعثـــة، فتعـــود مجــددا إلـي الفضــاء الخــارجي (ممـا يعـني أن المعــلومات لا تفــني بـل تخــزن بـأمـان). وقـد قــادت هـذه النتــائج إلـي مـا يعــرف اليــوم بأســم المبــدأ الهــولوغـرافي، فكـل الأحــداث المعقــدة ثلاثيــــة الأبعــاد التـي تقــع داخـــل الثقـــب الأســـود، يمكــن تشـــفيرها وتخزينهــــا بالكـامـل عـلي ســـطح ثنــائي الأبعـــاد، دون فقـــد آي معــلومـة. وفـي تقـــديري أن هـذا المبــدأ الرياضــي، ينطــبق عـلي الكــون المـرئي بأكمــله.

التشــابك الكمــي وهـو ولادة جســـيمين فـي حـدث تفــاعلي واحـد ومــترابط، ثـم فصـــل الجســـيمين وإرســال كـلا منهــما إلـي مجــرة مـا، وعـند قيــاس أحـد الجســيمين يتفــاعل بـه الآخـر لحظيـــا، وهـذا يهـدم النســبية وســرعة الضــوء (الســببية)، التشـابك الكمــي قـد يقــدم رؤيــة لماهيـــة الفضــاء الكــوني، فالجســيمات المتشــابكة فـي الكـون ليســـت منفصــلة، تتبـــاعد عــبر المســـافات، فالحقيقـــة أنهـا مرتبطـــة بشــكل مباشـــر، فـي المســتوي المعــلوماتي التحــتي للـواقـع، والمسـافـات المكـانية ليســـت حـواجــز فــيزيائيــة غــير قابلــة للكســـر، بـل مجــرد واجهـــة عــرض وتجســيد خـارجـي، فالحســابات والمعــادلات الكميـــه فـي مصـــفوفة بيــانات مـوحـدة تلغــي المســافات تمـامـا. التشــابك الكمــي قـد يوضــح أن النســيج الكــوني، لا يعتمــد عـلي التنقـــل البطــئ (ســرعة الضــوء) للمعــلومات عـبر الفضــاء الكــوني. وهـذا قـد يســاعد فـي حســـن تـدبــر قــول الله ســبحانه وتعــالي:

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. سـورة البقـرة 117.

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا. سـورة الأسـراء 85.

الـواقـع المـادي ليـس ســوي واجهـــه تفاعليـــة، تعمــل وفـق بنيـــة محكمــة فائقـــة الـدقــة، ومصــدر الأمــر واحـد أحــد وهـو الخـالـق البــارئ المصـــور.

وهـذا قـد يســاعد فـي حســـن تـدبــر قــول الله ســبحانه وتعــالي:

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. سـورة الأنعـام 61.

لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ. سـورة الـرعـد 11.

إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. ســورة ق.

فـي تقــديري أنـه آن الآوان لحســن تـدبـر آيــات الله ســبحانه وتعــالي، بعـد مـا تـم اكتشــاف العــديد مـن العـلوم والقوانيــن والنظــريات والمبـرهـانات. آيـات الله ســبحانه وتعـالي والتـي تســمي آيــات القســم، الله ســبحانه وتعـالي خـالـق كـل شــئ، والله ســبحانه وتعـالي هـو الحــق ومـا دون الحـق بـاطــل (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. ســورة الحـج 62)، الله سـبحانه وتعـالي الملك القـدوس السـلام الرحمـن الرحيـم، ليـس فـي حـاجـة إلـي القســم، وأن كـان فـي حـاجـة إلـي القســم لأقســم بـذاتـه، لا بأحـد خلقــه (مخلـوقات أو زمـن أو ظـواهــر) مهمــا عظمـــت قيمتــه وأثــره. والمفســرين وغــيرهـم لـم يســتطيعوا تحـديد الرابطــة الخفيــة التـي تجمــع بيــن المقســم بـه والمقســوم عليــه. فـي تقــديري أن ما يســمي واو القســـم، مـا هـي إلا تنبيـــة لاســتقطاب اهتمــام الســامع وجـذب حواســه، لتـدبـر وتـأمـل آيــات كونيـــة تتضــح فيهــا عظمــة الخــلق وليــس المخــلوق. وأعتقـــد أن هنــا ســؤال منطـــقي، هـل الله ســبحانه وتعـالي يحتــاج أن يقســم لمخــلوقاته بأحـد مخــلوقـاتـه؟.

الإجــابـة المنطقيـــة والعقليـــة والتـدبـرية والإيمانيـــة والبقينيـــة لا. حـتي لا يتـم المسـاس بالربوبيـــة مـن قريــب أو بعــيد، عـلم الله ســبحانه وتعـالي كـامـل، وصــدقه كـامـل وتــام، والله عـالـم بكــل شــئ فهـو عـالـم الغيــب والشــهادة، وصــادق فـي قــوله ولا يســأل عمـا يفعــل (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. سـورة الأنبيـاء 23).

القســم فـي الأصــل يســتخدم لإثبــات صــدق القـائـل عـند غــيره، والله ســبحانه وتعـالي لا يحتــاج إلـي إثبـــات صــدقه:-

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا. سـورة النسـاء 87.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. سـورة النسـاء 122.

مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. سـورة الأحـزاب 4.

الإنســان هـو مـن يحتــاج إلـي القســـم لتأكــيد القــول ولإثبــاته، أمـا صــدق الله ســبحانه وتعـالي مطــلق لا محــل لشــك أو جـدل، الله ســبحانه وتعـالي مـنزه عـن ذلــك ولا يحتــاج إلـي القســم:

رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. سـورة آل عمـران 9.

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. سـورة الأنعـام 115.

اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا. سـورة فاطـر 43.

القسـم فيـه تعظــيم للمقســم بـه، والله ســبحانه وتعـالي أعظـم مـن كـل شــئ، وهـو الخـالـق البــارئ المصــور لكـل شــئ، والله ســبحانه وتعــالي لا يعظـم مخـلوقـاته، فجميعهــا تســبحه وخاضــعة لـه طائعــة لأوامــره:

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. سـورة آل عمـران 83.

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. سـورة الـرعـد 15.

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا. سـورة الأسـراء 44.

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. سـورة الجمعـة 1.

الله ســبحانه وتعــالي يعظــم عمليــة الخــلق ولا يعظــم المخــلوق:

لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. سـورة غـافـر 57.

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ. ســورة الطــور.

القـرآن الكـريـم هـو خطــاب للنـاس كـافـة، بغــض النظـــر عـن المـؤمـن والكـافـر، فكيـــف يقســم الله ســبحانه وتعــالي بالشــفع والـوتـر والنـون والتيـن والزيتـــون وغــيرها، ولا يقســم مثــلا بالأنبيــاء والمرســلين والملائكـة المقـربين؟.

والله ســبحانه وتعـالي فـي محكـم التـنزيل، أمـر النـاس بالقسـم بالله ســبحانه وتعـالي دون ســواه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ. ســورة المـائـدة).

كلمـات الله ســلحانه وتعـالي خاليـة مـن العبثيـــة، والســياق التـدبري هـو مـا قـد يعكـس الحقيقــة فـي المعــاني والمفـاهـيم والمضـامين.

القســم فـي القــرآن بالله ســبحانه وتعــالي دون ســواه:

فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا. سـورة مـريـم 68.

فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. سـورة الحجـر 12.

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. ســورة النسـاء 65.

فـي الآيـات الثـلاثـة ورد المتكـلم بصــيغة الجمــع، ممـا يـدل أن المتكـلم هـم الملائكــة المقــربون المكلفــون، وقـد يتضـح ذلـك مـن الســياق فـي ســورة النســاء (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا. النسـاء 64) عـلي ســبيل المثـال.

أمـا الحـلـف فهـو شــئ آخــر، الحلــف هـو الالــتزام والتعهـــد، وعـندما يقــول الإنســان أحلـف بالله، فهـو يلـزم نفســه بالصـدق فيمـا يقــول أو يفعـــل، ويتضـح ذلـك فـي قـول الله ســبحانه وتعــالي:

فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا. سـورة النسـاء.

لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ. سـورة التـوبة.

لـذا هنــاك فـارق كــبير بيـن القســم والحـلـف، القســم هـو نجــزئة الشـئ إلـي حـق وباطــل، والقســم مرتبــط بالمعـني المفهـومي للجـذر، فعنــدما يقســم المتكـلم بذكــر أسـم الله ســبحانه وتعــالي، فهـو لإظهــار الحـق وتمــييزة عـن البـاطـل (تفـريق بيـن الحـق والبـاطـل).

ويجـب الحـذر والحيطــة مـن المقســم، عـندما يقــول الله ســبحانه وتعـالي وقســموا بالله جهـد إيمانهــم.

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ. سـورة المـائدة 53.

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ. سـورة الأنعـام 109.

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ. سـورة النحـل.

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. سـورة النـور 53.

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ، هـذا الأســلوب فـي القســم فـي محكـم التنــزيل، يـدل عـلي القســم الكـاذب.

وبالعــودة إلـي مـا أطـلق عليـه آيـات القســم، وضــرورة حســن تـدبـرها لمـا فيهــا مـن آيــات كونيـــة، أكتشــفها العـلم مـؤخـرا، نجـد فيهــا عظمــة الخـلق وأتقــانه وفـق القـواعـد والقوانيــن والســنن (الفطــرة) الإلهيــة، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. ســورة المؤمنـون 14.

الآيــات الواجــب حســن تـدبـرها وتأملهـــا ودراســـتها:

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا. ســورة النـازعـات.

وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ. ســورة الذاريـات.

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ. سـورة الـذاريـات.

وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا (1)  فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا (2)  وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا (3)  فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا (4)  فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا (5)  عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا (6)  إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ (7)  فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ (8)  وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتۡ (9)  وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ (10)  وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتۡ (11)  لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ (12)  لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ (13)  وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ (14)  وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ. سـورة المرسـلات.

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. سـورة البـروج.

وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ. سـورة الطـارق.

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا. سـورة العـاديـات.

وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (7) لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ. سـورة الصـافات.

أكتفــــي بهـــذا القـــــدر ونكمــــل فـي الأجـــزاء القــــادمـة إن شـاء الله سـبحانه وتعـالي. والله ســبحانه وتعـالي أعـلي وأعـلم.

خــالــد عــبد الصـــــمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال