أحاول أن أكون بخير/د.محمد الجركس

 أحاول أن أكون بخير… وأخفي ما لا يُقال


أحاولُ أن أكون بخير.

ليس لأنني صرتُ كذلك،

بل لأنني تعبتُ من أن أكون ثقيلًا على أحد،

ومن أن أشرحَ لمن لا يفهم،

ومن أن أنتظرَ يدًا لا تمتد،

وقلبًا لا يعود.


أحاولُ أن أكون بخير،

والحزنُ يسكنني كبيتٍ قديم،

لا يغادرُه الحنين،

ولا تتوقفُ نوافذه عن الارتجاف.


أحاولُ أن أكون بخير،

وأنا أعلمُ أن بعض الجروح لا تلتئم،

بل تتعلمُ الصمت.

وبعض الفقد لا يمرّ،

بل يسكنُ العظام.

وبعض الأسماء لا ترحل،

حتى وإن رحل أصحابها.

وبعض الأيام لا نعيشها،

بل ننجو منها فقط.


أحاولُ أن أكون بخير،

ليس لأنني قويّ،

بل لأنني لم أعد أحتملُ أن يراني أحدٌ وأنا أنهار.

أبتسمُ، والداخلُ حرب.

أقول: «أنا بخير»،

وكأنني أحلفُ على شيء لا أصدقه.

أكملُ الطريق، وحملي الثقيل لا يراه أحد.

أضحكُ مع الناس،

وفي داخلي مدينةٌ تُحرق ببطء.


أحاولُ أن أكون بخير،

لأنني أخافُ أن أنكسرَ أمام من يحبّني،

فينكسرون معي.

وأخافُ أن أشرح، فيصبح وجعي حكايةً يتناقلها الآخرون.

وأخافُ أن أصمت، فيظنون أنني قاسٍ أو بارد.

وأخافُ أن أتكلم، فيقولون: «ما زال يتذكّر».

فأبقى بين الصمت والكلام… أحاول.


أحاولُ أن أكون بخير،

وأنا أقاتلُ معركةً لا يراها أحد:

معركةً مع أفكاري،

ومع ذاكرتي،

ومع صوتٍ داخلي يقول لي:

«لن تعود كما كنت».

ومعركةً أخرى مع نفسي،

لأثبت لها أنني أستحقُ أن أبقى،

وأنني أستحقُ أن أعبر،

وأنني أستحقُ يومًا لا يوجع.


أحاولُ أن أكون بخير،

والخذلان علّمني أن أضع يدي على قلبي كلما هبّت رياح الناس.

أحاولُ أن أكون بخير،

وأنا أحملُ أسئلةً بلا أجوبة:

لماذا؟ إلى متى؟ وماذا لو؟

أحاولُ أن أكون بخير،

وأنا أرتبُ سريري كل صباح كأنني أرتبُ فوضى سنوات.

أعدّ أنفاسي،

وأقنعُ قلبي أن يهدأ.

أضعُ خططًا صغيرة:

أن أنام، أن آكل، أن أخرج، أن أبتسم،

أن لا أعتذر عن وجودي.


أحاولُ أن أكون بخير،

لا لأنني نسيتُ،

بل لأنني اخترتُ ألا أموتَ بسبب ما لا يستحق.

لا لأنني تجاوزتُ،

بل لأنني ما زلتُ أحملُ ما لا يُحمل،

وأمشي.

لا لأنني وجدتُ الحل،

بل لأنني تعبتُ من البحث في كل مكان.


أحاولُ أن أكون بخير،

وأنا أعلمُ أن «بخير» ليست كلمةً كاملة،

قد تكونُ نصفَ نجاة،

أو ربعَ ابتسامة،

أو خطوةً واحدةً إلى الأمام.

وقد تكونُ فقط:

أن أفتحَ عينيّ في الصباح،

وأشربَ قهوتي،

وأقول لنفسي:

«يكفي أنك تحاول».


سأحاول.

لا لأنني قويّ دائمًا،

بل لأنني ما زلتُ هنا.

سأحاول،

ولو كانت محاولتي ثقيلة،

ولو كانت خطواتي متعبة،

ولو كان الطريقُ طويلًا،

ولو لم يفهمني أحد.


سأحاول أن أكون بخير،

وأنا أعلمُ أنني لستُ بخير.

سأحاول،

لأنني أستحقُ أن أرى نهايةَ هذا الوجع،

ولو بعد حين.

ولأنني أستحقُ أن أعيش،

لا أن أنجو فقط.


فإن سأل أحدٌ عني،

قل: «يحاول».

وإن لم يسأل أحد،

سأقول لنفسي:

«يكفي أنك تحاول… يكفي أنك ما زلت هنا».


✍️ د محمد الجركس

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال