العلم وقوة الإرادة /عبد القادر تلجبيني
العلم وقوة الإرادة
تبقى الإرادة لله وحده خالق الأكوان "أقام العباد فيما أراد، وله المراد فيما يريد"، والإرادة صفة إلهية أزلية تخص الله وحده، وتختلف جذريًا عن الإرادة البشرية، قال تعالى
: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
أما المشيئة الإلهية فتعني الإرادة الإلهية النافذة والمطلقة التي يتعلق بها وجود الأشياء أو عدمها؛ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الإرادة عند الإنسان هي القدرة الذاتية على التحكم في السلوك والعواطف والدوافع، ومقاومة الإغراءات اللحظية لتحقيق أهداف بعيدة المدى.وتنبع من العلم والمعرفة والإدراك الذي تؤكده
الحقائق العلمية الثابتة والمعرفة والثقافة لمعرفة طريق الحق ويتحقق كل ذلك بالإرادة القوية وأولها مقاومة و كبح جموح النفس الأمارة بالسوء بالعزيمة والثبات وانقيادها للطريق الصحيح وهو الانصياع لما أمرنا الله به في كتابه العزيز وفي سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم واجتناب مانهانا عنه سبحانه
ليكون الأساس في توجيه العقل والقلب للطريق الصحيح
و توجيه الإرادة الوجهة الصحيحة التي تحقق أسمى الغايات لبلوغ الأهداف التي نصبو إليها .قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي" وقال تعالى (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ العلم نور وتبصرة تنير بضيائها ظلمة الجهل
وتنير لنا طريق الصلاح لتبيان الحقيقة والسير بالطريق السليم (يهدي الله لنوره من يشاء) عن ابن مسعود أن النبي محمد صلوات الله عليه قال عن فضل العلم (عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يُذْهَبَ بِأَصْحَابِهِ، عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُفْتَقَرُ ..).
وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة لذلك يتوجب علينا لطلب العلم أن نمتلك الإرادة القوية والمثابرة لبلوغ المراتب العليا وذلك بالصبر و التصميم مع قوة العزيمة وبذل الجهد لبلوغ هدفنا الذي نصبو إليه وهو بلوغ العلم الذي تعلو به الهمم والذي يقودنا
لبلوغ أهدافنا السامية في الحياة
فالطالب المجتهد بإرادته القوية يجب أن يدرك بأن بناء مستقبله يتطلب منه المثابرة والتركيز وذلك يتطلب منه الابتعاد عن سهراته مع رفقة السوء وكذلك النزهات وضبط أوقاته بعيدا عن ما يلهيه عن دراسته وبعدم هدر وقته فيجب أولا بأن تكون له حاضنة من الصحبة الصالحة ليستنير بها وبأفكارها وتوجهاتها وسلوكها بالمعرفة وإدراك الطريق الصحيح بعيدا عن طريق الضلالة ولتشجيعه على بلوغ أهدافه بالحكمة والموعظة الحسنة كي لايقع في حبائل الشيطان ويفشل في دراسته قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
.قوة العلم والإرادة القوية تجعلك تتمسك بالحلال وتبتعد عن الحرام والشبهات صادقا في عملك لاتكذب كي يثق بك كل أصدقائك ومن حولك لأن المؤمن لايكذب فكن ملتزما بوظيفتك التي وكلت بها فتخلص بعملك في خدمة الناس ولا تتعد بعملك على حقوق الناس وتأكلها بالحرام خلسة بدون وازع إنساني يحرك عندك الضمير لأنك تعلم بأن الله مطلع
عليك وسيحاسبك بظلمك للناس فتلزم نفسك بإرادتك القوية أن لا تسرق لغاية كسب المال الحرام فلربما وبحالة الدفاع عن النفس اضطررت فقتلت صاحب المال لتغطيةسرقتك أو قتلت أنت دفاعا عن النفس بغية عدم كشفك بجرم السرقة فعرضت نفسك دون أن تحسب حسابا لذلك بالسجن المؤبد أو بالإعدام شنقا و أمام الناس وهذا مذلة لك ولأهلك ولكل أقاربك والإرادة القوية تمنعك من الغل وأخذ الرشوة لتقلب الحق باطلا والباطل حقا لتاكل أموال الناس بالباطل وبغير حق بعد أن أمنت عليها وأن تعطي كل ذي حق حقه وأن تخلص بعملك بصدق وأمانة
فالطبيب المخلص الصادق والذي يملك إرادة إيمانية قوية
لا يخون في وظيفته وعلى رأس عمله لأن الوظيفة أمانة في عنقه ولا يغش ولو عرضت عليه كنوز الدنيا لتبديل صفة التشخيص لديه بهدف إيذاء الآخرين بتقرير مزور لقلب
الحقيقة وإخفائها بقصد إيذاء الآخرين بدافع كسب المال الحرام
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ والإرادة القوية تدفع مريض القلب والذين يحذرون من زيادة الكولسترول في الدم فهم يوقفون بإرادتهم تناول الطعام الدسم مع الدهون ويمتنعون عن تناول الحلويات بكثرة لعلمهم بخطورتها على صحتهم وتحولها لشحوم في الدم
وعلينا أن نضع نصب أعيننا قوله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان وهو «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يراك )
كان أويس القرني زاهدا في الدنيا رحمه الله ودعاءه مستجابًا فعرض الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على أويس بعد أن دعا له أويس كما أوصاه الرسول صلوات الله عليه
فطلب منه عمر بن الخطاب بأن يكتب له كتاباً إلى والي الكوفة ليوصي به، أو أن يقدم له نفقة وكسوة من ثيابه. فكان رد أويس رفض كل هذه العطايا مفضلاً أن يكون في "غُبّار الناس" (عامة فقرائهم الذين لا يُؤبه لهم)، وقال لعمر بشأن الكسوة والثياب ما معناه: "يا أمير المؤمنين، ما أصنع بالكسوة؟ هذه الثياب التي عليّ لا أدري هل سأعيش حتى أُبليها!". عندما دخل عمر بن الخطاب على النبي ﷺ فوجده ينام على حصير قد أثّر في جنبه الشريف فبكى عمر.وقال"يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت يا رسول الله تنام على الحصير ؟": فقال له النبي ﷺ محصناً مفهوم الزهد والرسالة: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟" ( إن تستقيموا يستقام بكم )
رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه وأيقنوا بأن هذه الدنيا زائفة
زائلة فكان زهدهم
زهدهم نابع من قوة إرادتهم ويقينهم بأنهم مسؤولون
قوة إلإرادة هي القدرة على التحكم في أفكارنا وسلوكنا لتحقيق أهدافنا، حتى عندما تواجهنا العقبات والصعوبات. هي القوة الدافعة التي تدفعنا إلى الأمام وتجعلنا نصر على تحقيق ما نصبو إليه. قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وقال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
{ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}.
وقال تعالى﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾
اللهم أرنا الحق حقاً وَارْزُقْنَا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وَارْزُقْنَا اجتنابه
الزميل عبد القادر تلجبيني
تعليقات
إرسال تعليق