قبلات سميحة/زياد أبو صالح

 قُبلات  " سَمِيحَة " : أكبر شهادة تقدير حصلت عليها في حياتي ... !!!

بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 🇵🇸 


     كان صباحي لا يكتمل قبل أن أطمئن على شقيقتي الكبرى سميحة، أم أكرم. اعتدتُ، قبل توجهي إلى عملي كل يوم، أن أمرّ بمنزلها القريب من بيتي، علّني أحظى بدقائق قليلة معها، أبدأ بها نهاري وأحمل في قلبي دعواتها الصادقة.

     كنتُ، إذا وجدتُ باب منزلها مفتوحاً، أناديها بصوت خافت، خشية أن أزعجها. وما إن تسمع صوتي حتى تخرج لاستقبالي بابتسامتها المعهودة، فألقي عليها تحية الصباح، ونجلس أو نقف نتبادل أطراف الحديث، إلى أن تحضر المركبة التي تقلّني إلى مكان عملي.

     وفي بعض الأيام، كنت أحمل معي أشياء بسيطة، لا لقيمتها المادية، بل رغبةً في إدخال السرور إلى قلبها، وطمعاً في رضاها ودعواتها. وكانت، كلما رأتني، ترفع يديها بالدعاء من أعماق قلبها :  « الله يديم عليك الصحة والعافية، ويرزقك من واسع فضله، ويحفظ أولادك من كل مكروه ».

     كانت كلماتها البسيطة تترك في نفسي أثراً لا تصنعه الخطب الطويلة، وكنت أشعر أن دعوة واحدة من قلب أخت محبة قد تساوي الدنيا وما فيها.

     وإذا وجدت باب منزلها مغلقاً، لم أكن أنصرف بعيداً؛ بل أقف على الجهة المقابلة، أنتظر حتى يُفتح الباب، ثم أقترب منها لأتبادل معها بضع كلمات. وإذا غبتُ عنها ولم أزرها، بادرت هي بالاتصال بي، تسأل عني وتطمئن إلى أحوالي، وكأنها لا ترتاح حتى تعرف أنني بخير.

     كانت تلك التفاصيل الصغيرة جزءاً من حياتنا اليومية، ولم أكن أدرك يومها أن بعض اللحظات العابرة قد تتحول، مع مرور الزمن، إلى ذكريات تسكن القلب ولا تغادره أبداً.

     وذات مساء، عدتُ إلى المنزل وأنا أحمل نسخاً من كتابي الذي صدر حديثاً، وهو مجموعة قصصية كنت قد بذلت جهداً كبيراً في كتابتها وإعدادها. حملتُ بعض النسخ وتوجهت إلى منزل شقيقتي سميحة، كي أعطيها إياها لتوزعها على أبنائها الذين يسكنون بالقرب منها.

     استقبلتني كعادتها، وجلست تتأمل الكتاب وتقلب صفحاته. راحت تنظر إلى العنوان، وتتصفح القصص، ثم رفعت رأسها نحوي وقالت بعفوية الأخت التي تعرف أخاها وتخشى عليه من التعب: «ألم تتعب من الكتابة؟!».

     ابتسمتُ، ولم أجد ما أقوله. فقد كانت تسألني بلهجة امتزج فيها الحب بالشفقة، وكأنها ترى في كل صفحة من صفحات الكتاب شيئاً من جهدي وتَعَبي وسهر الليالي التي قضيتها في الكتابة. ثم وقعت عيناها على صورتي المطبوعة على الغلاف الخلفي للكتاب.

     توقفت عندها لحظة، وكأنها لم تعد ترى كتاباً بين يديها، بل رأت أخاها الذي تعرفه منذ طفولته، بكل ما يحمل من أحلام وتعب ومحاولات. وفجأة، قرّبت الكتاب منها، وراحت تقبّل صورتي مرة بعد مرة! كانت تقبّل الصورة بمحبة لا تحتاج إلى كلمات، وتعبّر عن فرحتها بي بطريقة عفوية صادقة، لا تعرف التكلّف ولا تنتظر مقابلاً. لم تكن تنظر إلى كتابي بوصفه إنجازاً أدبياً فحسب، بل كانت ترى فيه أخاها الذي فرحت لفرحه، واعتزّت بما حققه، وكأن نجاحه نجاح لها.

في تلك اللحظة، شعرتُ بأن شيئاً عميقاً يتحرك في داخلي. فقد كتب عن مقالاتي وكتاباتي عدد من الكتّاب، وأشاد بها أدباء ومثقفون، ونلتُ مئات الشهادات التقديرية التي أعتز بها وأحترم أصحابها. لكنني، وأنا أرى شقيقتي تقبّل صورتي على غلاف كتابي، أدركت أن هناك شهادات لا تُكتب بالحبر، ولا تُمنح في احتفالات التكريم، ولا تحتاج إلى أختام أو توقيعات. إنها شهادات تُمنح بالمحبة الخالصة، وتخرج من القلب لتستقر في القلب.

     كانت قبلات سميحة لصورتي، في تلك اللحظات، أكبر شهادة تقدير حصلت عليها في حياتي؛ لأنها لم تكن مجاملة لكاتب، ولا إعجاباً بكتاب، بل كانت تعبيراً عن محبة أخت لأخيها، محبة لا تقيس النجاح بعدد القراء، ولا بقيمة الكلمات، وإنما بفرحة القلب بمن يحب.

     بعد ذلك، أصرّت شقيقتي على أن أدخل المنزل وأجلس معها وقتاً أطول، لكنني اعتذرت بلطف، وأخبرتها أن أهل بيتي ينتظرون عودتي. لم أكن أعلم أنني سأغادر منزلها وأنا أحمل في صدري مشهداً سيبقى حاضراً في ذاكرتي ما حييت.

     عدتُ إلى منزلي القريب، وما إن دخلته حتى غلبتني مشاعري، وانهمرت دموعي بحرقة.

     لم أبكِ حزناً، ولم تكن دموعي تعبيراً عن ألم، بل كانت دموع امتنان ومحبة وتأثر بموقف لم أتوقع أن يهزّ أعماقي إلى هذا الحد. بكيت لأنني شعرت، في لحظة واحدة، بقيمة الأخت التي قد تمرّ الأيام ونحن نألف وجودها، ونعتاد سؤالها ودعاءها، حتى تأتي لحظة صغيرة فتذكّرنا بأن وجودها نعمة لا تُقدّر بثمن.

     راحت كلمات كثيرة تتردد في داخلي:

الأخت لا يعوّضها أحد، فهي التي تفرح لفرحك وكأن الفرح خُلق لها، وتحزن لحزنك وكأن الوجع أصاب قلبها قبل قلبك. هي التي ترى في نجاحك امتداداً لنجاحها، وفي تعبك ما يستحق القلق، وفي صورتك على غلاف كتاب كل ما يدعوها إلى الفخر بك، مهما كان إنجازك بسيطاً في نظر الآخرين.

     وتساءلت بيني وبين نفسي: كم من كلمات الإعجاب نسمعها في حياتنا، وكم من شهادات التقدير نتلقّى، ثم تمرّ الأيام فننسى كثيراً منها؟ أما قبلة صادقة من أخت محبة، فقد تبقى في الذاكرة سنوات طويلة، لأنها لا تأتي لتُرضي الناس، بل لأنها تنبع من قلب لا يعرف إلا المحبة.

     رفعتُ يدي إلى السماء، ودعوت الله من أعماق قلبي أن يبارك في عمر شقيقتي سميحة، وأن يمنحها الصحة والعافية، وأن يحفظها من كل مكروه، وأن يديم بيننا المحبة وصلة الرحم، وألّا يريني فيها بأساً يبكيني.

     ومنذ ذلك المساء، لم تعد صورة غلاف كتابي مجرد صورة لكاتب يعتز بعمله؛ فقد أصبحت شاهداً على أجمل تكريم يمكن أن يناله الإنسان: قبلة أخت، ودعوة صادقة، ومحبة لا تشتريها الدنيا كلها.

     وهكذا أدركتُ أن بعض الجوائز تُعلَّق على الجدران، وبعض الشهادات تُحفظ في الملفات، أما قبلة سميحة، فقد استقرت في قلبي، حيث لا تصل إليها يد النسيان.

     رحم الله أياماً جميلة، وأدام الله الأخوات نعمةً في حياة إخوتهن، وحفظهن من كل سوء؛ فالأخت حكاية حبّ لا تنتهي، ووجودها في الحياة شهادة من الله على أن المحبة الصادقة ما زالت تسكن قلوب البشر ..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ريح هوجاء

إن غاب قالت جائبا غلابا / خالد بلال